9isas jins - مرحبا بكم اعزائي مره أخري في عالم الادهم نحن الآن بصدد الغوص في ع | فوكسديو - نحن ندفع مقابل منشوراتك

مرحبا بكم اعزائي مره أخري في عالم الادهم
نحن الآن بصدد الغوص في عالم بطل اخر غير سريج
نحن الان في اعماق الراصد
الجزء الأول: الشذوذ الإحصائي
الفصل الأول: النقطة العمياء
لم يكن وجه 'ياسين عبد الحميد' من الوجوه التي تعلق في الذاكرةكرة بسهولة؛ بل كان من ذلك النوع الذي صُمم ليتماهى مع الخلفية، ليشبه آلاف الموظفين الذين يعبرون شوارع وسط البلد كل صباح بوجوه رمادية خالية من التعبير. في الثانية والثلاثين من عمره، لكن انحناءة كتفيه الدائمة وتلك الأخاديد الرفيعة التي حفرها الأرق حول عينيه كانت تمنحه هيئة رجل يوشك على توديع عقده الرابع.
كان نحيل الجسد بصورة مقلقة، كأنما يستهلك عقله كل السعرات الحرارية التي تدخل جسمه في عمليات حسابية لا تتوقف. شعره أسود فاحم، أشعث دائماً وكأنه في عراك دائم مع وسادته، وبشرته شاحبة بلون الورق القديم، نادراً ما تلمسها شمس الظهيرة. لكن كل تلك الملامح العادية كانت تتلاشى تماماً إذا ما قررت النظر في عينيه.
عينان واسعتان، لونهما بني غامق يميل للسواد، لكنهما لا تستقران أبداً. بؤبؤ عينيه كان يتسع ويضيق بنسق غريب، وكأنه عدسة كاميرا تحاول ضبط البُعد البؤري باستمرار. لم تكن نظراته 'ترى' الأشياء كما يراها البشر، بل كانت تفككها. إذا نظر إليك، لا يرى قميصك، بل يرى الخيط المرتخي في الزر الثالث، وبقعة القهوة الباهتة على الكم الأيسر، واهتزازة جفنك التي تفضح توترك. كان يرتدي نظارة طبية بإطار أسود سميك، لا ليصحح بصره، بل ليضع حاجزاً زجاجياً بين عينيه 'المفترستين' وبين العالم، وكأنه يحمي الناس من حدة بصيرته لا العكس.
كان يجلس الآن في مكتبه بالطابق السابع في 'الهيئة العامة للإحصاء والبيانات'، والغرفة غارقة في ظلام دامس إلا من وهج ثلاث شاشات كمبيوتر عملاقة تحيط به كحصن إليكتروني. الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، وصوت أزيز السيرفرات (Servers) في الغرفة المجاورة هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت المبنى الحكومي العتيق.
توقف ياسين عن النقر على لوحة المفاتيح، ومد يده ليمسك بكوب القهوة البارد، وارتشف رشفة مريرة وهو يحدق في سيل الأرقام الذي يتدفق أمامه كشلال من البيانات الخام.
انفتح باب المكتب فجأة، ودخل ضوء الممر الأصفر القوي، ومعه 'صلاح'، حارس الأمن الليلي، يحمل مصباحاً يدوياً وكيس شطائر.
قال صلاح بصوته الخشن وهو يغلق الباب خلفه:
'يا ساتر يا رب.. يا أستاذ ياسين، قطعت خلفي! قاعد في الضلمة دي إزاي؟ ما تنور النور يا ابني، عينيك هتروح منك.'
لم يرفع ياسين عينيه عن الشاشة، بل استمر في تتبع سطر معين من البيانات، وتمتم بصوت هادئ أجش من قلة الكلام:
'النور بيعمل دوشة يا عم صلاح.. دوشة في عيني بتخليني مش عارف أركز في الأرقام.'
ضحك صلاح وهو يضع كيس الشطائر على طرف المكتب المكدس بالأوراق:
'دوشة إيه بس؟ دي لمبة نيون! المهم، أنا جبتلك ساندوتشين فول زي ما طلبت، بس والنبي يا شيخ ما تطولش النهاردة.. المدام بتزن عليا في التليفون وعايز أروح بدري أول ما الوردية تخلص.'
أخيراً، أدار ياسين كرسيه ببطء، وخلع نظارته ليمسح عدساتها بطرف قميصه الكاروهات الباهت. نظر لصلاح نظرة فاحصة جعلت الرجل العجوز يرتبك ويرجع خطوة للوراء دون سبب مفهوم.
قال ياسين بهدوء:
'تسلم إيدك يا راجل يا طيب.. بس قولي، هو أنت غيرت نوع الدوا بتاع الضغط؟'
اتسعت عينا صلاح بذهول:
'أنت عرفت منين؟ ده أنا لسه مغيره امبارح، الدكتور كتبلي نوع مستورد غالي أوي.'
أشار ياسين بإصبعه النحيل نحو جيب بنطال صلاح:
'أيدك بتترعش رعشة خفيفة أوي مش عادتك، وشفايفك ناشفة زيادة عن اللزوم.. دي أعراض جانبية للنوع الجديد اللي فيه مادة مدرة للبول.. خلي بالك واشرب مية كتير.'
ضرب صلاح كفاً بكف وهو يهم بالخروج:
'يا ساتر.. و**** يا ابني أنت لا ليك في الجن ولا العفاريت، أنت بس عينك مصفاة.. يلا تصبح على خير، وكُل اللقمة قبل ما تبرد.'
خرج الحارس، وعاد الظلام يبتلع الغرفة. ارتدى ياسين نظارته، وعاد لعالمه. العالم بالنسبة له لم يكن بشراً ومشاعر، بل كان 'أنماطاً'. الكون كله عبارة عن معادلة رياضية ضخمة، وكل حركة، كل نَفَس، كل ورقة شجر تسقط، هي جزء من معادلة. المشكلة أن الناس لا يرون المعادلة.. يرون الفوضى فقط. لكن هو.. هو يرى الخيوط.
على الشاشة الوسطى، كان هناك
برنامج يعرض 'تقارير الوفيات اليومية' الواردة من مكاتب الصحة على مستوى الجمهورية. عمله الروتيني هو تصنيف أسباب الوفاة لإعداد التقرير السنوي للوزارة. عمل ممل، رتيب، ويناسبه تماماً.
لكن الليلة.. الليلة حدث شيء جعل 'الخيط' يلمع في عقله.
مد إصبعه وضغط زر (Enter). انقسمت الشاشة إلى خريطتين: واحدة لمنطقة 'الزمالك' الراقية، والأخرى لمنطقة 'بولاق الدكرور' الشعبية.
همس لنفسه:
'مش منطقي..'
توقف المؤشر عند اسمين:
الدكتور عز الدين مختار: (65 سنة)، أستاذ فيزياء فلكية، توفي في شقته بالزمالك. السبب: سكتة قلبية مفاجئة. الأسطى خميس الديب: (42 سنة)، ميكانيكي سيارات، توفي في ورشته ببولاق. السبب: سكتة قلبية مفاجئة. الفارق الطبقي والاجتماعي بين الاثنين شاسع كالفارق بين الأرض والسماء. لا يوجد رابط. هذا ما سيقوله أي شخص عاقل.
لكن ياسين لم يكن ينظر للأسماء، بل كان ينظر لشيء آخر.. التوقيت.
توقيت الوفاة المسجل في شهادة الدكتور عز الدين: 1143 مساءً.
توقيت الوفاة المسجل في شهادة الأسطى خميس: 1143 مساءً.
نفس الثانية.
'صدفة..' قالها ياسين بصوت مسموع ليقنع نفسه. احتمالية حدوث سكتة قلبية لشخصين في نفس الثانية موجودة إحصائياً، وإن كانت نادرة.
حرك يده بسرعة، وكتب 'كود' بسيطاً للبحث في قاعدة البيانات عن أي وفيات أخرى في نفس التوقيت خلال الـ 24 ساعة الماضية في محافظات أخرى.
دارت أيقونة التحميل لثوانٍ بدت كالدهر، ثم ظهرت النتيجة.
ظهر اسم ثالث.
* الشيخ عبد التواب المراكبي: (70 سنة)، مؤذن **** في دمياط. توفي وهو يرفع أذان العشاء. السبب: سكتة قلبية مفاجئة.
نظر ياسين للتوقيت المسجل يدوياً من مفتش الصحة بدمياط. كان مكتوباً 'حوالي الحادية عشرة والربع'.
لكن ياسين لم يكتفِ بذلك. فتح نافذة أخرى، ودخل على أرشيف 'كاميرات المراقبة' الخاص بوزارة النقل (بصلاحيات لا يملكها رسمياً، لكنه استعار كلمة سر مديره الغافل). بحث عن ميدان قريب من المسجد في دمياط.
وجد كاميرا لمحل بقالة تطل على المسجد. قدم الفيديو حتى وصل للحظة التي سقط فيها المؤذن من الشرفة الخشبية للمئذنة الصغيرة. نظر إلى التوقيت الرقمي أسفل الفيديو.
1143 مساءً.
تجمدت الدماء في عروقه. ثلاثة أشخاص، في أماكن متباعدة، ماتوا في نفس اللحظة بالملي ثانية. والأغرب.. أن الثلاثة ماتوا وقلوبهم توقفت كأن مفتاح الكهرباء قد فُصل عنها فجأة.
أخرج هاتفه المحمول، واتصل بزميله 'مجدي'، طبيب التشريح في مشرحة زينهم.
جاء صوت مجدي ناعساً ومخنوقاً:
'ياسين؟ أنت عارف الساعة كام يا مجنون؟'
قال ياسين بسرعة، وعيناه مثبتتان على الشاشة:
'مجدي، فوق معايا. جالك جثث النهاردة باسم عز الدين مختار أو خميس الديب؟'
تثائب مجدي:
'أه.. الدكتور بتاع الزمالك والميكانيكي.. وصلوا من ساعتين تلاتة. حالات وفاة طبيعية، هياخدوا تصريح دفن الصبح. بتسأل ليه؟ يقربولك؟'
'مجدي، اسمعني كويس. أنا عايزك تنزل المشرحة دلوقتي حالا.. وتبص على حاجة واحدة بس.'
'أبص على إيه يا عم؟ ما تقرفناش بقى.'
قال ياسين بصوت يملؤه اليقين المرعب:
'بص في عنيهم.. قولي لون القزحية إيه. ولو قدرت، صورلي شبكية العين وابعتها.'
'ياسين، أنت شارب حاجة؟ الناس دي ميتة بقلبها، مال عينيها بالموضوع؟'
صرخ ياسين لأول مرة، صرخة جعلت صوته يرتد من جدران المكتب الخالية:
'اعمل اللي بقولك عليه يا مجدي! في نمط.. في نمط ابن كلب بيحصل والناس دي مماتتش صدفة. الناس دي اتطفت!'
أغلق ياسين الخط، لكن الهاتف ظل معلقاً في يده وكأنه قطعة جليد تلسع جلده. الصمت عاد ليخيم على الغرفة، لكنه لم يعد صمتاً مريحاً؛ كان صمتاً مشحوناً، ثقيلاً، كأن الهواء نفسه قد تكثف ليصبح سائلاً لزجاً يعيق التنفس.


على الشاشة، كان فيديو الشيخ عبد التواب لا يزال متوقفاً عند اللحظة الأخيرة. جسد الشيخ يميل للأمام، فمه مفتوح على آخره، ليس للنداء بـ '**** أكبر'، بل لشيء آخر.. لصرخة لم تخرج.


أعاد ياسين تشغيل المقطع، لكن هذه المرة قام بعزل الصوت المحيط، ورفع وتيرة 'الفلاتر' الصوتية ليلغي ضوضاء الشارع ويركز فقط على الميكروفون المثبت في ياقة جلباب الشيخ.


سمع صوت أنفاس الشيخ اللاهثة، حفيف ملابسه، ثم.. صوت آخر.


صوت خافت جداً، تردد منخفض للغاية (Low Frequency) لا تسمعه الأذن البشرية بسهولة، لكن 'المخطط البياني' للموجات الصوتية على الشاشة التقطه.


كان صوتاً يشبه.. التمزيق. كأن أحدهم يمزق قماشاً سميكاً، أو ربما يمزق الستار الفاصل بين مكانين.


ارتفع رنين
هاتفه مرة أخرى، قاطعاً حبل أفكاره بفظاظة. الاسم على الشاشة: مجدي - المشرحة.


مرت عشر دقائق فقط. سرعة استجابة مجدي تعني شيئاً واحداً: الكارثة وقعت.


فتح الخط، وقبل أن ينطق بكلمة، جاءه صوت مجدي متهدجاً، لاهثاً، وكأنه ركض ماراثوناً للتو:


'ياسين.. أنت لسه في المكتب؟'


رد ياسين ببرود مصطنع ليوازن رعب صديقه:


'أيوه. شفت إيه يا مجدي؟'


سكت مجدي للحظة، وسمع ياسين صوت ولاعة وصوت 'نفس' سيجارة عميق يتم سحبه بتوتر:


'أنا شفت بلاوي ياما يا صاحبي.. شفت ناس محروقة، ومتقطعة، وغرقانة.. بس قسماً ب**** ما شفت اللي شفته ده.'


ضيق ياسين عينيه:


'أوصفلي. ما تقوليش انطباعات، اديني بيانات وصفية.'


قال مجدي بصوت يرتجف:


'فتحت ثلاجة الدكتور عز الدين الأول. ظاهرياً الجثة سليمة، زي الفل، وش راجل عجوز نايم. رفعت جفنه..'


صمت مجدي وكأنه يستجمع شجاعته:


'مفيش قزحية يا ياسين.. ومفيش بياض. العين كلها سودة.. سواد حالك، كأن حد كب حبر جوه عينه. والألعن من كده.. العين مش مسطحة.'


'يعني إيه مش مسطحة؟'


'يعني البؤبؤ.. أو المكان اللي المفروض يكون فيه البؤبؤ.. غائر لجوة. كأن العين انفجرت من جوه لبره، أو.. كأن حاجة شفتطت النور اللي فيها. ولما روحت لجثة الأسطى خميس.. نفس المنظر بالظبط.'


شعر ياسين بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري. نظريته عن 'النمط' لم تعد مجرد أرقام، بل تحولت إلى حقيقة بيولوجية مرعبة.


سأل ياسين بصوت خافت:


'مجدي.. هل في أي نزيف في المخ؟ أو علامات جلطة؟'


'لا.. وده اللي هيجنني. عملت أشعة مقطعية سريعة. المخ سليم تشريحياً.. بس (ميت). الخلايا العصبية دبلانة كأنها ميتة من سنين مش من ساعات. كأن الكهربا اتسحبت من الدماغ مرة واحدة.'


ثم خفض مجدي صوته وكأنه يخشى أن تسمعه الجثث:


'ياسين.. في حاجة كمان. وأنا واقف بكتب التقرير المبدئي.. النور في المشرحة رعش. ولما بصيت في المراية اللي فوق الحوض.. شفت خيال ورايا. مش خيال حد معدي.. لا.. خيال طالع من الجثة نفسها.'


قاطعه ياسين بحزم:


'مجدي، اسمعني كويس. اقفل المحضر على أنها سكتة قلبية. متكتبش حرف عن العين، اكتب (تغيرات لونية بعد الوفاة) وخلاص. واطلع من المشرحة فوراً. روح بيتك.'


'أنت فاهم حاجة أنا مش فاهمها صح؟ ياسين، الناس دي ماتت إزاي؟'


'مش وقته. روح دلوقتي، وبكرة الصبح هاتلي صور الأشعة دي على فلاشة، إياك تبعتها إيميل.'


أغلق الخط.


لم يعد هناك مجال للشك. هؤلاء الثلاثة رأوا شيئاً في تلك الثانية المشؤومة..
1143. شيئاً قوياً لدرجة أنه أحرق عيونهم وأفرغ أدمغتهم.


عاد ياسين للوحة المفاتيح، لكن هذه المرة لم يبحث عن وفيات. كتب اسم 'عز الدين مختار' في محرك بحث خاص بالأرشيف الأكاديمي.


ظهرت عشرات الأبحاث للدكتور الفيزيائي. عناوين معقدة عن 'نظرية الأوتار'، 'المادة المظلمة'، و'الأبعاد المتوازية'.


ثم بحث عن 'الأسطى خميس'. لم يكن له أبحاث بالطبع، لكن ياسين بحث في سجلات الشرطة القديمة، وفي وسائل التواصل الاجتماعي. وجد صفحة فيسبوك باسم 'ورشة الديب'. المنشورات عادية، أدعية دينية، صور سيارات، نكت.


لكن صورة واحدة استوقفت ياسين.


صورة لخميس وهو يقف مبتسماً أمام سيارة 'جيب' قديمة قام بتجديدها. السيارة كان لونها أسود، وعلى بابها رسم غريب.. رسم لعين داخل مثلث، لكن المثلث مقلوب.


قلب ياسين بسرعة في صور الدكتور عز الدين. وجد صورة له في مؤتمر علمي في سويسرا. كان يرتدي بدلة أنيقة، وفي جيب البدلة منديل مطوي.. وعلى دبوس رابطة العنق نفس الرمز.. مثلث مقلوب بداخله عين.


'الرمز..' همس ياسين.


تحركت يده تلقائياً نحو ورقة بيضاء وقلم رصاص. بدأ يرسم المثلث والعين. خطوط يده كانت تتحرك بعصبية.


وفجأة، توقف القلم.


شعر بلسعة في مؤخرة رأسه. ذلك الشعور الذي يأتيك عندما ينظر إليك أحدهم في الظلام.


رفع رأسه ببطء عن المكتب. الغرفة واسعة، والظلام يلف الزوايا.


لكن نظره 'المختلف'
التقط شيئاً.


في الزاوية البعيدة، بجوار خزانة الملفات الحديدية، كان الظل أكثر كثافة من المعتاد. الظلال عادة تكون رمادية أو سوداء باهتة، لكن هذا الظل كان 'أسود' بعمق يشبه وصف مجدي لعيون الموتى.


خلع ياسين نظارته، وفرك عينيه، ثم نظر مرة أخرى.


لم يكن يتخيل. الظل يتحرك. ليس حركة عشوائية، بل يتموج كدخان يخرج من شق في الأرض.


'مين هناك؟' سأل ياسين بصوت خرج مهزوزاً رغم محاولته الثبات.


لم يأتِ رد صوتي، لكن شاشات الكمبيوتر الثلاث أمامه ومضت فجأة باللون الأبيض، ثم انطفأت دفعة واحدة.


عم الظلام الدامس.


جلس ياسين متسمراً في كرسيه، يسمع دقات قلبه تضرب في أذنيه كطبول الحرب.


وفي الظلام، بدأت عيناه تتكيفان، أو بالأحرى.. بدأت 'قدرته' تعمل رغماً عنه.


رأى خيوطاً رفيعة، مشعة بضوء بنفسجي باهت جداً، تمتد من الزاوية التي بها الظل، وتزحف على الأرض باتجاه مكتبه. كانت تشبه عروق نبات طفيلي ينمو بسرعة.


الخيوط لم تكن مادية.. كانت 'بيانات'. عقله يترجم الطاقة التي يراها إلى بيانات.


رأى أرقاماً ورموزاً تسبح في الهواء حول الظل الكثيف.


مد يده ببطء شديد نحو درج مكتبه، حيث يحتفظ بكشاف طوارئ صغير.


أمسك الكشاف، ووجهه نحو الزاوية وضغط الزر.


الضوء الأبيض الشديد شق الظلام.


لم يكن هناك أحد.


اختفى الظل الكثيف. عادت خزانة الملفات لطبيعتها.


تنهد ياسين بارتياح، ومسح العرق عن جبهته.


'خيالات.. قلة نوم وأدوية..' تمتم لنفسه وهو يهم بالوقوف ليعيد تشغيل الكهرباء.


لكن عندما نظر إلى سطح مكتبه الخشبي، تجمد في مكانه.


الورقة البيضاء التي كان يرسم عليها الرمز..


لم تكن فارغة، ولم يكن عليها رسمه فقط.


كانت هناك بصمة يد.. كف بشري، لكنه ضخم جداً، ومطبوع على الورقة وكأن أحدهم غمس يده في رماد ساخن وضغط عليها.


والأسوأ من ذلك.. أن البصمة كانت بسبعة أصابع.


تراجع ياسين للخلف حتى اصطدم كرسيه بالحائط.


هذا لم يعد 'شذوذاً إحصائياً'.


هذا 'اختراق'.


أحدهم.. أو شيء ما.. كان هنا معه في الغرفة، وقرأ ما يكتبه.


رن هاتفه مرة ثالثة.


قفز قلبه في صدره. نظر للشاشة.


رقم غير مسجل. لا بيانات. (Unknown Number).


تردد للحظة، ثم ضغط زر الرد وفتح مكبر الصوت، دون أن ينطق بكلمة.


جاءه صوت من الطرف الآخر.. صوت إلكتروني مشوه، كأنه مركب من مئات الأصوات البشرية المتقطعة:


'يا-سين.. عبد.. الحميد..'


بلع ياسين ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح:


'مين معايا؟'


رد الصوت بنبرة خالية من المشاعر:


'أنت تبحث عن النمط.. لكن النمط بدأ يبحث عنك. توقف عن النظر.. وإلا ستفقد عينيك مثلهم.'


انقطع الخط.


نظر ياسين للورقة ذات البصمة السباعية، ثم للغرفة المظلمة. الخوف كان ينهش أحشاءه، لكن عقله التحليلي كان يعمل بطاقة قصوى.


التهديد يعني أنهم خائفون.


وإذا كانوا خائفين، فهذا يعني أنه أمسك بطرف الخيط الصحيح.


لملم أوراقه بسرعة، انتزع القرص الصلب (Hard Disk) من جهاز الكمبيوتر الرئيسي، ودسه في حقيبته الجلدية المهترئة.


نظر لساعته.


11:55 مساءً.


لقد انتهى وقت العمل الروتيني. وبدأ وقت الهرب.


خرج من المكتب وأغلق الباب خلفه، لكنه لم يتجه للمصعد. حدسه أخبره أن المصعد فخ. اتجه لسلالم الطوارئ.


وبينما هو ينزل الدرجات الرخامية المظلمة، كان يرى في الظلال المتراقصة على الجدران أشكالاً تلاحقه.. عيوناً تراقب.. وهمسات بلغة لا يفهمها، لكنه يشعر بقدامتها.


الليلة، 'ياسين' الإحصائي مات.


وولد 'ياسين' الذي يرى ما لا يجب أن يُرى.
كانت درجات السلم الرخامية تمتد أمامه كحلقات لولبية لا تنتهي، تغوص في جوف الأرض. صوت خطواته اللاهثة كان يتردد صداه في بئر السلم الضيق، مختلطاً بصوت آخر.. صوت لم يكن متأكداً إن كان حقيقياً أم من نسيج خياله المريض. كان صوتاً يشبه حفيف أجنحة
حشرة ضخمة تحتك بالجدران، تتبعه بمسافة طابقين للأعلى.
لم يجرؤ ياسين على النظر خلفه. عقله الباطن كان يصرخ به أن النظر للخلف يعني الهلاك، كأن مجرد 'الرؤية' سيمنح هذا الكيان الإذن بالوجود المادي.
أثناء نزوله السريع، كانت الأرقام تقفز أمام عينيه رغماً عنه. عدد الدرجات في كل طابق: أربع وعشرون درجة. ارتفاع الدرجة: سبعة عشر سنتيمتراً. زاوية الانحناء. كل شيء يتحول لبيانات.
لكن البيانات هذه المرة كانت مشوشة. الخطوط الهندسية للسلم بدت وكأنها تتموج، كأن المبنى نفسه يتنفس، يضيق عليه ليخنقه.
وصل للطابق الأرضي، واندفع نحو الباب الحديدي الثقيل الذي يفصل السلم عن بهو المبنى الرئيسي. دفع الباب بكتفه النحيل، ليخرج إلى الإضاءة الصفراء الباهتة للبهو.
كان 'صلاح' يجلس خلف مكتب الاستقبال الخشبي، ورأسه يميل للأمام في غفوة قصيرة، والراديو بجانبه يبث أغاني قديمة مشوشة.
انتفض الحارس فزعاً عند سماع ارتطام الباب، وكاد يوقع كوب الشاي.
'بسم **** الرحمن الرحيم! أستاذ ياسين؟ في إيه يا ابني؟ نازل جري كده ليه كأن في حريقة؟'
توقف ياسين لثانية ليلتقط أنفاسه. كان عليه أن يبدو طبيعياً. أن يمثل دور الموظف المنهك، لا الهارب من كيان غيبي. مسح العرق عن جبينه بكم قميصه، وحاول رسم ابتسامة باهتة، لكنها خرجت ككشرة ألم.
قال بصوت متقطع:
'مفيش يا عم صلاح.. نسيت الدوا بتاعي في البيت.. وحسيت بكرشة نفس، قولت أنزل أتمشى في الهوا شوية.'
حدق فيه صلاح بارتياب، وعيناه تتفحصان حقيبة اللابتوب التي يضمها ياسين لصدره وكأنها *** رضيع.
'دوا إيه ده اللي يخلي وشك أصفر زي الليمونة كده؟ استنى أجيبلك ميه بسكر..'
تراجع ياسين للخلف خطوة، عيناه مسلطتان على الظلال القابعة خلف عمود الرخام الضخم في زاوية البهو. هل تحرك الظل؟
'لا لا.. ملوش لزوم. أنا هاخد تاكسي واروح. تصبح على خير.'
وقبل أن يعترض صلاح، كان ياسين قد اندفع خارج البوابة الزجاجية للمبنى، تاركاً الحارس يتمتم بكلمات غير مفهومة عن 'شباب اليومين دول'.
استقبلته شوارع وسط البلد بنسمة هواء حارة ومحملة بعوادم السيارات. الساعة تجاوزت منتصف الليل، لكن القاهرة لا تنام تماماً. سيارات الأجرة تجوب الشوارع كخنافس معدنية، وأضواء المقاهي الجانبية لا تزال تلمع.
وقف ياسين على الرصيف، يحاول السيطرة على ارتجاف يديه.
هنا، في الشارع، كانت 'الرؤية' أسوأ.
عادة ما كان الزحام يخفي التفاصيل، لكن الليلة، بدا وكأن 'النمط' قد استيقظ في كل مكان.
رأى أرقام لوحات السيارات المارة تترابط ببعضها في معادلات عبثية.
السيارة الأولى: أ ب ج 114
السيارة الثانية: س ص ع 341
مجموع الأرقام يقبل القسمة على
7.
عدد أعمدة الإنارة في الشارع.. 14 عموداً، واحد منهم مطفأ.
رجل يعبر الشارع بقميص مخطط.. عدد الخطوط يتطابق مع عدد النوافذ المضاءة في العمارة المقابلة.
أغمض عينيه بقوة، ضاغطاً بيده على جفنيه حتى رأى نجوماً ملونة.
'بطل.. بطل تفكر.. دي مش رسايل، دي صدف.. صدف..'
همس لنفسه، لكنه كان يعلم أنها ليست صدفاً. العالم كان 'كوداً' برمجياً ضخماً، وهناك 'فيروس' قد ضرب النظام، وهو الوحيد الذي يرى الـ (Error Logs).
أشار لسيارة تاكسي قديمة متهالكة. توقف السائق، رجل عجوز بملامح أنهكها الزمن، وصوت أم كلثوم يصدح من الكاسيت: 'أروح لمين.. وقول يا مين..'
فتح ياسين الباب الخلفي وانزلق للداخل، وكأنه يختبئ في كهف.
'على فين يا أستاذ؟'
تردد ياسين. منزله في 'مصر الجديدة' مكشوف. عنوانه مسجل في ملفات العمل، وفي بطاقته. إذا كان هؤلاء 'الكيانات' أو تلك 'المنظمة' يعرفون رقم هاتفه، فهم يعرفون عنوانه.
تذكر مكاناً قديماً.. شقة جده الراحل في حي 'الخليفة'. شقة مغلقة منذ سنوات، تقع في زقاق ضيق لا تدخله السيارات، وسط بيوت قديمة متلاصقة تحجب السماء. مكان خارج 'الشبكة'. مكان لا توجد به كاميرات مراقبة حديثة.
قال ياسين بصوت منخفض:
'القلعة.. نزلني عند ميدان القلعة.'
انطلق السائق، وعاد ياسين يراقب الطريق من النافذة الخلفية. لم تكن هناك سيارة تتبعه بوضوح، لكنه لم يطمئن.
أخرج هاتفه، نزع الشريحة (SIM Card) وكسرها نصفين، ثم فتح النافذة وألقى بها في الهواء.
نظر إليه السائق في المرآة باستغراب، لكنه لم يعلق. في ليل القاهرة، يرى السائقون أشياء أغرب من ذلك بكثير.
بعد نصف ساعة، كان ياسين يترجل في ميدان القلعة. انتظر حتى غاب التاكسي، ثم سار على قدميه في الأزقة الضيقة المؤدية لمنطقة 'الأباجية' والمقابر القديمة،
ثم انحرف نحو الأزقة السكنية المكتظة.
وصل أخيراً لبناية قديمة من طراز الثلاثينيات، بابها خشبي ضخم ومتهالك. صعد السلالم المظلمة التي تفوح منها رائحة الغبار والبصل المقلي من شقق الجيران.
وصل للدور الثالث. أخرج سلسلة مفاتيح صدئة من جيب صغير في حقيبته. حاول مراراً حتى انفتح الباب بأنين مزعج.
دخل وأغلق الباب خلفه بسرعة، وأوصد الترس (الترباس) الحديدي القديم.
الشقة كانت كما تركها آخر مرة منذ عامين. الأثاث مغطى بملاءات بيضاء تشبه الأشباح الساكنة. رائحة النفتالين خانقة. طبقة كثيفة من الغبار تغطي كل شيء.
لم يشعل الأنوار. اكتفى بضوء القمر المتسلل من شيش الشرفة المكسور.
تحرك وسط الأثاث المغطى كأنه لص، حتى وصل لغرفة المكتب القديمة.
أزاح الغطاء عن المكتب، وجلس.
أخرج اللابتوب الخاص به (وليس جهاز العمل)، وقام بتوصيل 'القرص الصلب' الذي انتزعه من جهاز الهيئة. ثم أخرج الفلاشة التي كان يحتفظ بها دائماً كنسخة احتياطية.
حان وقت العمل.
فتح الملفات التي سرقها. تقارير الوفيات الثلاثة.
ثم فعل شيئاً آخر. قام بفتح برنامج للخرائط الجغرافية (GIS) كان قد صممه بنفسه للتسلية.
أدخل إحداثيات أماكن الوفاة بدقة متناهية.
شقة الزمالك.
ورشة بولاق.
**** دمياط.
ظهرت ثلاث نقاط حمراء على خريطة مصر.
وصل بينهم بخطوط وهمية.
تشكل مثلث. مثلث حاد الزاوية. رأسه يقع في دمياط، وقاعدته تمتد بين القاهرة والجيزة.
'مركز المثلث..' همس ياسين.
قام بحساب المركز الهندسي (Centroid) لهذا المثلث.
النقطة تقع في منطقة صحراوية، شرق الدلتا. لا يوجد عمران هناك. مجرد رمال.. وبعض الآثار القديمة المنسية.
فجأة، تذكر 'الفلاشة' التي طلبها من مجدي. كان مجدي قد أرسل له الصور عبر تطبيق مشفر قبل أن يغلق ياسين هاتفه. ولحسن الحظ، كان ياسين قد حمل الصور على اللابتوب قبل كسر الشريحة.
فتح صورة 'الأشعة المقطعية' لمخ الدكتور عز الدين.
المخ بدا طبيعياً للعين المجردة، لكن ياسين قام بتفعيل 'فلتر الكثافة' (Density Filter).
شهق فزعاً.
المسارات العصبية في المخ.. تلك التي تنقل الكهرباء.. لم تكن عشوائية كما هو مفروض.
كانت الخلايا الميتة تشكل نمطاً هندسياً دقيقاً داخل نسيج المخ نفسه.
رسمة.. تشبه الوشم المحفور بالليزر.
قرب الصورة أكثر.
الرسمة كانت عبارة عن أحرف. ليست عربية، ولا لاتينية، ولا هيروغليفية.
كانت أحرفاً مسمارية حادة الزوايا، تشبه تلك التي رآها مرة في كتاب عن حضارات ما قبل الطوفان.
حاول قراءتها، لكنه لم يفهم. ومع ذلك، بمجرد أن ركز بصره على الرموز داخل صورة المخ، شعر بذلك 'التمزق' في رأسه مرة أخرى.
النزيف الأنفي عاد، قطرة ددمم سقطت على لوحة المفاتيح.
وفجأة، تحرك المؤشر على الشاشة وحده.
فتح ملفاً نصياً جديداً (Notepad).
بدأت الحروف تُكتب بسرعة جنونية، وكأن شخصاً آخر يطبع بأصابع خفية:
'أنت تراهم. إذن هم يرونك.'
'العين بالعين.. والبادئ أظلم.'
'ابحث عن الإرث يا ياسين. ابحث عن جدك.'
انتفض ياسين مبتعداً عن المكتب، والكرسي يسقط خلفه بصوت مدوٍ.
'جدي؟'
جده كان مجرد عطار بسيط في الحسين، مات منذ عشرين عاماً. ما علاقته بهذا؟
نظر ياسين نحو مكتبة الكتب القديمة في الغرفة، تلك التي ورثها عن جده ولم يفتحها قط. كتب صفراء، مجلدات ضخمة مأكولة الأطراف.
شعر بـ 'خيط' رفيع من الضوء يخرج من صدره ويربطه بأحد الكتب في الرف العلوي.
لم يكن سحراً. كان حدسه يصرخ به. 'الإجابة هناك'.
تقدم بخطوات مرتجفة، ومد يده ليتناول الكتاب. كان مجلداً قديماً بعنوان غريب: 'تحفة الأعيان بسيرة أهل الزمان'.
فتح الكتاب عشوائياً.
سقطت منه ورقة مطوية.
التقطها ياسين. كانت رسالة بخط اليد.. خط جده. وتاريخها يعود لعام
1995.
بها كلمات غير مفهومه من يراها يظن انها مجرد شخبطه لا معني له
الرعب لم يختفِ، لقد زاد لم يفهم من الرساله سوي كلمه واحده وهي
نظر من ثقب شيش الشرفة إلى الشارع المظلم بالأسفل.
رأى سيارة سوداء، مظللة بالكامل، تقف ببطء عند مدخل الزقاق. محركها مطفأ، لكن أضواءها الأمامية تومض بإيقاع خافت.. مرة طويل، مرتان قصير.
إشارة.
'لقد وجدوني.'
قالها ياسين بصوت خالٍ من الخوف، ومليء بالتصميم البارد.
التفت حوله، وبدأ يجمع أغراضه بسرعة. لم يعد هناك مكان آمن.
كان عليه أن يتحرك. عليه أن يصل الي المنيا وهناك ليفعل **** ما يريد

لم يكن الخوف هو ما يسيطر على ياسين في تلك اللحظة، بل كان شيئاً أقرب إلى 'الوضوح
البارد'. حينما يرتفع الأدرينالين في دماء البشر العاديين، تتشوش رؤيتهم وتضطرب قراراتهم، لكن بالنسبة لياسين، كان الخطر بمثابة 'تحديث للنظام'. كل ثانية تمر كانت تتحول إلى معادلة زمنية يجب حلها للبقاء على قيد الحياة.

وقف بجانب النافذة، موارياً جسده خلف مصراع الشيش المكسور، يراقب المشهد في الزقاق الضيق بالأسفل. السيارة السوداء لم تكن تتحرك، لكن أبوابها انفتحت في صمت مريب. نزل منها ثلاثة رجال. لم يكونوا يرتدون الزي الرسمي للشرطة، ولا الملابس المدنية المعتادة للمخبرين. كانوا يرتدون بذلات رمادية داكنة، متشابهة لدرجة التطابق، وكأنهم نُسخ كربونية خرجت من مصنع واحد.

حركتهم لم تكن بشرية تماماً؛ كانت سلسة أكثر من اللازم، خالية من التردد أو التلكؤ. لم يرفع أحدهم رأسه لينظر للشرفة، بل اتجهوا مباشرة نحو باب العمارة الخشبي المتهالك.

همس ياسين لنفسه بصوت مرتجف:
'دول مش حكومة.. الحكومة بتخبط أو بتكسر الباب.. دول داخلين كأن معاهم المفتاح.'

نظر إلى ساعة يده.
'المسافة من مدخل العمارة لباب الشقة: 46 درجة سلم. لو طلعوا مشي عادي هياخدوا 35 ثانية. لو جريوا.. 15 ثانية. ولو ركبوا الأسانسير المعطل.. مش هيركبوه.'

التفت ياسين حوله بسرعة ماسحاً الغرفة بعينيه. الباب هو المخرج الوحيد الطبيعي، وهذا يعني أنه فخ محقق. الشقة في الدور الثالث، القفز من الشرفة إلى الشارع يعني كسوراً مضاعفة في الساقين بنسبة 90%، واحتمالية الموت بنسبة 10%.

'النسبة غير مقبولة..' تمتم ياسين وهو يمسح العرق الذي بدأ يتجمع فوق شفتيه.

بدأت 'الرؤية' تعمل.
تحول أثاث الغرفة وجدرانها في عينه إلى خطوط هندسية زرقاء شفافة. رأى هيكل المبنى القديم. الجدران سميكة، مبنية من الحجر الجيري القديم، لكن السقف.. السقف كان من العروق الخشبية المغطاة بطبقة من الجبس والقش، وهو نمط بناء شائع في بيوت الثلاثينيات.

رفع رأسه لأعلى. في زاوية السقف، كانت هناك بقعة رطوبة قديمة تسببت في تآكل الجبس. ومن خلال الثقب الصغير، رأى شعاع ضوء خافت جداً.
'المنور..'

لم يكن هناك وقت للتفكير. حمل حقيبة اللابتوب وربطها بإحكام حول صدره، ثم دفع طاولة المكتب الثقيلة ليغلق بها باب الغرفة كإجراء تعطيل مؤقت.
سحب خزانة الكتب القديمة وأسقطها أرضاً لتكون 'سلماً' يصعد عليه للوصول لفتحة المنور في السقف.

في تلك اللحظة، سمع صوتاً عند باب الشقة الخارجي. لم يكن صوت طرق أو خلع.. كان صوت 'أزيز'. كأن أحدهم يمرر شعلة لحام على القفل الحديدي القديم. المعدن يصرخ تحت وطأة حرارة مفاجئة.

'يا نهار أسود.. دول بيسيحوا الكالون!'

قفز ياسين فوق خزانة الكتب المقلوبة، ومد يده ليمسك بحافة الفتحة الموجودة في السقف المستعار. الجبس تفتت تحت أصابعه، وسقط الغبار في عينيه، لكنه لم يرمش. تحسس بيده عرقاً خشبياً متيناً وشد جسده لأعلى.

لم يكن ياسين رياضياً. عضلات ذراعيه صرخت ألماً، وأحس بتمزق بسيط في كتفه الأيمن، لكن رعب الموت كان دافعاً أقوى من أي تدريب رياضي.
رفع نصف جسده العلوي ودخل في الفراغ الضيق بين سقف الشقة وأرضية السطح. كانت مساحة خانقة، مليئة بخيوط العنكبوت والفئران الهاربة. زحف على بطنه وسط الغبار الكثيف، متجهاً نحو فتحة التهوية الرئيسية التي تطل على 'منور' العمارة.

سمع صوت باب الشقة بالأسفل يُفتح ببطء. ثم صوت خطوات هادئة وثقيلة على البلاط القديم.
توقف عن التنفس.
هل يسمعون دقات قلبه؟ هو يسمعها كأنها طبول حرب في أذنيه.

وصل لفتحة المنور. نظر منها للأسفل. مواسير الصرف الصحي القديمة المصنوعة من الزهر (الحديد الثقيل) تمتد بطول المبنى.
'المواسير دي متهالكة.. معامل الصدأ فيها عالي. احتمالية الكسر لو حملت وزني كله عليها: 60%.'
نظر للأعلى. المسافة لسطح العمارة حوالي مترين ونصف.

'مفيش حل تاني.'

خرج ياسين بجسده من فتحة التهوية، وتلقف ماسورة الصرف الباردة والدبقة بيديه. احتضنها بساقيه وذراعيه. الماسورة اهتزت وأصدرت صريراً معدنيأً مخيفاً تردد صداه في المنور الضيق.
تسمر مكانه.
بالأسفل، من نافذة مطبخ شقته، أطل رأس أحد الرجال الثلاثة.
لم يرَ وجهه بوضوح في الظلام، لكنه رأى شيئاً جعل دمه يتجمد.
الرجل لم يكن ينظر بعينيه. كان يرتدي نظارة سوداء سميكة، وبيده جهاز صغير يمسح به الجدران.

'حرارة..' أدرك ياسين فوراً. 'بيتبعوا البصمة الحرارية.'

بدأ ياسين يتسلق لأعلى بكل قوته، متجاهلاً احتكاك الحديد الصدئ الذي مزق
بنطاله وجرح فخذه. كل حركة كانت تسبب اهتزازاً في الماسورة.
'بسرعة.. بسرعة.. المتغير الزمني بيقل..'

وصل لحافة السطح. القى بيده ليمسك سور السطح الأسمنتي، وسحب جسده المنهك ليلقيه على أرضية السطح الخشنة المغطاة بالحصى والقمامة القديمة.
لم يتوقف ليرتاح. زحف بعيداً عن الحافة، ثم نهض منحنياً وبدأ يركض عبر السطح.

بيوت حي الخليفة والقلعة متلاصقة، تشكل شبكة معقدة من الأسطح المتصلة أحياناً والمنفصلة بأزقة ضيقة أحياناً أخرى.
كان ياسين يركض، وعيناه ترسمان المسار أمامه.
'فجوة متر ونص.. قفزة ممكنة. سور مائل.. زاوية انزلاق. كابلات دش.. عائق.'

قفز من سطح بنايته إلى سطح البناية المجاورة. هبط بتعثر وكاد يلتوي كاحله، لكنه استعاد توازنه وأكمل الركض.
عندما وصل للسطح الثالث، توقف خلف خزان مياه خرساني ضخم ليلتقط أنفاسه. صدره كان يعلو ويهبط بعنف، ورئتاه تحترقان.

نظر خلفه نحو عمارة جده.
رأى الثلاثة رجال وقد صعدوا إلى السطح خلفه. حركتهم كانت متطابقة بشكل مرعب، يجرون بنفس الإيقاع، بنفس فتحة القدم.
أحدهم توقف، ورفع يده وأشار باتجاه ياسين المختبئ.

'شافوني إزاي؟ أنا ورا الخزان!'
ثم تذكر. نظارات الرؤية الحرارية. الخزان الأسمنتي بارد، وجسده يشتعل حرارة من الجري. هو يلمع في عيونهم مثل شعلة نارية في ليل دامس.

'يا ابن الغبية يا ياسين.. الفيزياء مش في صالحك المرة دي.'

نظر أمامه. نهاية السطح تطل على شارع رئيسي. المسافة للشارع خمسة طوابق. السقوط يعني الموت.
لكن على بعد ثلاثة أمتار، كانت هناك مئذنة لمسجد أثري قديم، تلتصق قاعدتها بالمبنى المجاور، ولها سلم خارجي مخصص للصيانة يلتف حولها.
المسافة بين سطحه وبين قاعدة المئذنة حوالي مترين ونصف.
قفزة انتحارية.

'المسافة
2. 5 متر. سرعة الجري المطلوبة 6 متر/ثانية. زاوية القفز 45 درجة.'
حسبها في جزء من الثانية.
النتيجة: احتمالية النجاح 40%. احتمالية السقوط 60%.

نظر للخلف. الرجال الثلاثة يقتربون. أخرج أحدهم شيئاً من جيبه. بدا كمدسس كاتم للصوت، لكن فوهته كانت تشع ضوءاً أحمر خافتاً.

'الأربعين في المية أحسن من الصفر في المية.'

تراجع ياسين للخلف عدة خطوات ليأخذ مسافة للجري.
أخذ نفساً عميقاً ملأ به رئتيه برائحة التراب وعوادم القاهرة.
'يا رب.. يا رب سترك.'

انطلق ياسين بأقصى سرعة تستطيعها ساقاه النحيلتان.
حين وصل لحافة السطح، ضغط بكل قوته على قدمه اليمنى، ودفع جسده في الهواء.
للحظة واحدة.. طار ياسين فوق الزقاق المظلم.
رأى الأسفلت تحته بمسافة قاتلة.
شعر بالهواء يلفح وجهه.
بدا الزمن وكأنه تباطأ. رأى تفاصيل أحجار المئذنة القديمة، الشقوق فيها، العش الصغير للحمام..

ثم ارتطم.
اصطدم صدره بالحافة الحجرية لقاعدة المئذنة، لكن يديه نجحتا في التشبث بالقضيب الحديدي للسلم الخارجي.
شعر بخلع عنيف في كتفه، وصرخة مكتومة خرجت من بين أسنانه.
تأرجح جسده في الهواء، قدماه ترفسان الفراغ بحثاً عن مرتكز.

'امسك.. امسك يا ياسين.. متسيبش!'

بالأعلى، وقف الرجال الثلاثة على حافة السطح الذي قفز منه. نظروا إليه وهو معلق كالثمرة في الهواء.
رفع أحدهم المسدس وصوبه نحوه.
أغمض ياسين عينيه، منتظراً الرصاصة.
لكن.. لم يحدث شيء.
خفض الرجل سلاحه. وبدأ الثلاثة يتراجعون ببطء، وكأنهم تلقوا أمراً بالانسحاب.

'ليه؟' سأل ياسين نفسه وهو يصارع لسحب جسده لأعلى السلم.
لماذا لم يطلقوا النار؟ كان هدفاً سهلاً.
هل يريدونه حياً؟ أم أن هناك سبباً آخر؟

نظر حوله. هو الآن على مئذنة **** أثري. المسجد يقع في ميدان عام مزدحم بالناس حتى في هذا الوقت المتأخر.
'شهود..'
أدرك ياسين السبب. هم قتلة محترفون، لكنهم يعملون في الظل. قتل رجل معلق على مئذنة أمام المارة والسيارات سيجذب انتباهاً لا يريدونه. أو ربما.. حرمة المكان المقدس تمنعهم؟ لا، هذا احتمال رومانسي ساذج. السبب هو الشهود.

تحامل على ألمه، وصعد السلم الحديدي حتى وصل لشرفة المئذنة، ومنها نزل عبر السلم الحلزوني الداخلي للمسجد.
خرج من الباب الجانبي للمسجد وهو يعرج، يمسك بكتفه المصاب، ووجهه مغطى بالغبار وشباك العنكبوت.

نظر إليه خادم المسجد العجوز الذي كان يغلق الأبواب باستغراب:
'أنت مين يا ابني؟ ونازل من فوق إزاي؟'

لم يجبه ياسين. اندس وسط الزحام في الشارع، واختفى بين المارة.
كان قلبه ما زال يخفق بعنف، لكن عقله عاد ليعمل ببرود.

'المتغيرات اتغيرت. هما عارفين شكلي. عارفين
قدراتي البدنية المحدودة. وعارفين إني لوحدي.
الخطوة الجاية: الخروج من القاهرة.
الهدف: سوهاج.
وسيلة النقل: القطر مستحيل، فيه تفتيش وبطاقة. الأتوبيس خطر. ميكروباصات الموقف.. هي الحل.'

تحسس جيبه. محفظته ما زالت معه. وهاتفه (بدون شريحة) واللابتوب.
أوقف 'توكتوك' كان يمر بجانبه.
'على موقف عبود.. بسرعة.'

بينما التوكتوك يشق طريقه بتهور وسط السيارات، أخرج ياسين اللابتوب وفتحه، غير مبالٍ باهتزاز المركبة.
فتح ملف الصورة التي فيها 'الرمز'.
كبر الصورة، وبدأ يطبق عليها 'فلتر' جديداً استوحاه من طريقة تحرك الرجال الثلاثة.
لقد تحركوا كآلات.. كشبكة واحدة.

'لو هما متصلين ببعض.. يبقى فيه سيرفر بيحركهم. أو عقل مركزي.'
نظر للرمز (العين والمثلث).
'الرمز ده مش مجرد شعار.. ده (أنتينا). ده جهاز استقبال.'

أغلق الجهاز ونظر للسماء المظلمة.
النجوم كانت باهتة بسبب تلوث المدينة، لكن ياسين رأى، لثانية واحدة، خطاً رفيعاً أحمر يقطع السماء من الشمال للجنوب.
مسار طاقة.
المسار كان يتجه للصعيد.


وصل التوكتوك للموقف الصاخب. أصوات السائقين، أبواق السيارات، رائحة العوادم. فوضى محببة. الفوضى هي المكان الوحيد الذي يمكنه الاختباء فيه من 'النظام' الصارم لأعدائه.
بحث عن سيارة ميكروباص تنادي 'سوهاج.. سوهاج..'.

وجد واحدة، ركب في المقعد الخلفي، وانكمش على نفسه.
تحركت السيارة، وبدأت رحلة الهروب الكبرى.
لكن ياسين لم يكن يعلم أن ما يهرب منه في القاهرة، هو مجرد 'ظل' لما ينتظره في الصعيد.
```eof

'لا تغتر بصمت غرفتك، فالهدوء لا يعني الفراغ. نحن محاطون بضجيج لا تسمعه آذاننا، ومراقبون بعيون لا تعكس الضوء، ولكنها ترانا بوضوح تام.'
الجزء الثاني
انطلقت سيارة الميكروباص تشق طريق 'الأوتوستراد' بسرعة جنونية، تاركة أضواء القاهرة تتلاشى خلفها شيئاً فشيئاً. كان ياسين محشوراً في المقعد الخلفي بين سيدة بدينة تحمل قفصاً صغيراً به دجاجات تصدر أصواتاً مخنوقة، وبين شاب يرتدي سماعات رأس ضخمة ويهز رأسه بعنف مع موسيقى المهرجانات التي تتسرب من سماعاته وتثقب طبلة أذن ياسين.

الجو داخل السيارة كان خانقاً، مزيجاً من رائحة العرق، ودخان السجائر الرخيصة التي يدخنها السائق، ورائحة الدجاج. لكن بالنسبة لياسين، كان هذا الزحام هو 'الدرع' المثالي. الأنماط هنا فوضوية جداً، متداخلة ومعقدة لدرجة تجعل تتبعه أمراً شبه مستحيل، حتى على 'الكيانات' التي تلاحقه.

أخرج الرسالة التي وجدها في كتاب جده مرة أخرى، وحرص على أن يخفيها بين دفتي اللابتوب حتى لا يراها أحد. قرأ السطور الأخيرة مجدداً، تلك التي كان يظن أنها تشير لعائلة الجبالي، لكنه الآن، ومع هدوء الأدرينالين قليلاً، بدأ يرى 'النمط' المخفي في الحروف.

الرسالة لم تكن مجرد نص.. كانت خريطة.لاحظ أن جده كان يكتب حرف 'القاف' بنقطة واحدة فقط (على الرسم القديم)، وحرف 'الفاء' بدون نقاط في بعض الكلمات.جمع الحروف 'الشاذة' في الرسالة.(م - ن - ي - ا).المنيا.

ثم نظر إلى الرقم المكتوب في ذيل الصفحة كتاريخ للرسالة: 14/
255. لم يكن تاريخاً ميلادياً ولا هجرياً منطقياً.أغمض عينيه وبدأ يعالج الرقم.'خط عرض.. وخط طول؟ لا.. الأرقام صغيرة. رقم تليفون؟ ناقص. عنوان؟'فجأة، تذكر 'الوردية' التي كان جده يحبها. كان جده صوفياً بطريقته الخاصة.'الرقم
14. . سورة إبراهيم. الآية
25. . (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا).'لا، هذا تفسير ديني عاطفي، وياسين يحتاج لمنطق رياضي.

نظر للرقم مرة أخرى بعين 'البصيرة'.الرقم بدأ يتفكك أمامه.255 هو الرقم الأقصى في نظام الـ (8-bit) للألوان والبيانات. إنه يمثل 'اللون الأبيض الكامل' أو 'النهاية'.
14. . هو ترتيب محافظة المنيا في الكود البريدي القديم.

كان هناك اسم واحد مكتوب بخط باهت جداً في الحاشية السفلية، كأنه كتب بقلم رصاص نفد رصاصه:'المحجر القديم.. اسأل عن (بهاء الأخرس).'

أعاد ياسين الورقة لجيبه. الوجهة تغيرت. لن يذهب لسوهاج. عليه النزول في المنيا.ولكن.. من هو 'بهاء الأخرس'؟ ولماذا يختبئ في محجر؟

فجأة، تباطأت سرعة الميكروباص. أضواء حمراء وزرقاء تلمع في الأفق المظلم للطريق الصحراوي.صاح السائق بصوت أجش:'كمين يا جماعة.. كله يجهز بطاقته.. مش ناقصين وجع قلب وتعطيل.'

تجمد الدم في عروق ياسين.كمين شرطة.إنه لا يملك بطاقة. ولو أخرج جواز السفر (الذي يحمله في حقيبته دائماً)، فسيتم الكشف عن اسمه. وإذا كانت 'المنظمة' لها نفوذ كما يتوقع، فمجرد إدخال رقمه القومي على كمبيوتر الداخلية سيعطي إنذاراً فورياً بموقعه.

'المتغيرات: هروب مستحيل. المسافة للباب بعيدة. الضابط
يقف ومعه جهاز كشف جنائي.'بدأت أنفاسه تتسارع. هل تنتهي الرحلة هنا؟ في كمين عادي على الطريق الصحراوي؟

بجانبه، تحرك الشاب ذو السماعات. خلع سماعاته ببطء، ونظر لياسين نظرة جانبية فاحصة. كانت عيون الشاب غريبة.. ليست 'سوداء' كعيون الموتى، بل كانت شديدة الذكاء، بلون عسلي فاتح يلمع في الظلام.

مال الشاب نحو ياسين وهمس بصوت خفيض جداً، وبلهجة صعيدية خفيفة:'شكلك عامل مصيبة يا أستاذ.. وشك جاب ألوان الطيف كلها لما شفت الحكومة.'

ارتبك ياسين وحاول الإنكار:'لا.. أبداً.. أنا بس..'

قاطعه الشاب بابتسامة ساخرة، وأخرج علبة سجائر وعرض عليه واحدة:'اشرب.. روق دمك. معكش بطاقة، صح؟'

نظر له ياسين بصمت. هز الشاب رأسه كأنه توقع الإجابة.'ولا يهمك. خليك ورايا ومتنطقش ولا كلمة. سيب الطلعة دي عليا.'

اقترب الضابط من نافذة السائق. بدأ بجمع البطاقات.وصل الدور للمقاعد الخلفية.مد الشاب يده ببطاقتين.. بطاقته الشخصية، وبطاقة أخرى قديمة ومتهالكة.قال الشاب للضابط بنبرة واثقة ومرحة:'اتفضل يا باشا.. دي بطاقتي.. وده ابن خالي (وأشار لياسين) أخرس ومبيسمعش، وبطاقته اتسحبت منه في اللجنة اللي قبل دي عشان كانت مكسورة، وادولنا الوصل ده.'

وأخرج ورقة مطوية عشوائية تشبه إيصالات المرور، ودس في طياتها ورقة نقدية فئة المائة جنيه بطريقة خفية لا يلمحها إلا المتمرس.

نظر الضابط للورقة، ثم لياسين الذي تصنع البلاهة والصمت كما أشار عليه الشاب، ثم للشاب مرة أخرى.فهم الضابط 'الرسالة'. المائة جنيه اختفت في جيبه بسرعة البرق.قال الضابط بملل:'طيب.. خليه يجددها أول ما يوصل. يلا اتحرك.'

تحرك الميكروباص.تنفس ياسين الصعداء، وشعر بأن قلبه سيتوقف من فرط الطرق.نظر للشاب بامتنان ممزوج بالشك:'أنت.. أنت عملت كده ليه؟ ومين قالك إني..'

ضحك الشاب وهو يعيد وضع السماعات حول رقبته:'يا عم قولنا مصلحة.. وشك عليه غضب ****، وقولت نكسب فيك ثواب. وبعدين أنا مبحبش الحكومة تقلب في ورقي كتير.'

مد يده لياسين:'أنا (عصام).. وشهرتي (عصام رادار). نازل المنيا ولا مكمل؟'

اتسعت عينا ياسين.'المنيا.. أنا نازل المنيا.'

ابتسم عصام ابتسامة غامضة، وقال جملة جعلت ياسين يدرك أن هذا اللقاء لم يكن صدفة إحصائية، بل هو جزء من 'نمط' أكبر:'حلو.. أصل أنا كمان نازل هناك. الطريق طويل يا صاحبي، والليل لسه في أوله.. وشكلك وراك حكاية توزن بلد.'

نظر ياسين من النافذة إلى الصحراء الممتدة بلا نهاية على جانبي الطريق. الظلام كان دامساً، لكن بعينيه 'المبصرتين'، رأى شيئاً في الأفق البعيد.رأى أعمدة من الضوء الباهت ترتفع من الأرض للسماء في منطقة المنيا. وكأن الأرض هناك 'مشقوقة'.المكان الذي يذهب إليه ليس مجرد مخبأ. إنه نقطة التقاء خطوط الطاقة.

أدرك ياسين في تلك اللحظة أن حياته القديمة انتهت للأبد. الموظف الذي يحلل البيانات مات في القاهرة. والذي يجلس الآن في هذا الميكروباص هو 'الناظر في العتمة'.

أمسك بالقرص الصلب في حقيبته، وضغطه بقوة.'أنا مش ههرب منهم..' همس لنفسه والعزم يشتعل في عينيه: 'أنا اللي هروح لهم.'

تلاشت أضواء الكمين خلفهم، وابتلعهم ظلام الصعيد
كان الطريق الصحراوي الغربي يمتد أمام السيارة كأفعى سوداء عملاقة تبتلع الضوء. الظلام هنا ليس مجرد غياب للشمس، بل هو كيان مادي ثقيل يضغط على زجاج النوافذ. بالنسبة لـ 'ياسين'، لم يكن الطريق مجرد إسفلت ورمال، بل كان شريطاً لا نهائياً من البيانات المتدفقة بسرعة 120 كيلومتراً في الساعة.

جلس ياسين منكمشاً في المقعد الخلفي، جسده يرتجف مع كل مطب هوائي، بينما عقله يعمل بطاقة تفوق محركات السيارة المتهالكة. كان يحاول 'إيقاف' قدرته، يحاول أن يرى العالم كما يراه البشر العاديون: سماء، نجوم، رمال. لكنه فشل.

كل عمود إنارة يمر بجانبه كان يترك 'أثراً' ضوئياً في شبكية عينه، خطاً ممتداً يربط الماضي بالحاضر. رأى التصدعات الجيولوجية تحت طبقات الإسفلت كأنها عروق زرقاء نابضة في جسد الأرض. رأى احتمالات الحوادث تتجسد أمامه كأرقام حمراء تطفو فوق السيارات المقابلة:شاحنة نقل ثقيل.. السائق مرهق بنسبة 80%.. انحراف الإطار الأمامي 3 درجات.. احتمالية التصادم: 14%.

أغمض عينيه بقوة حتى آلمه رأسه، وضغط بكفيه على أذنيه ليحجب صوت الرياح الذي كان يبدو له كهمسات غير مفهومة بلغة قديمة.

'مالك يا صاحبي؟ شكلك لسه مخضوض من اللجنة.'جاء صوت 'عصام رادار' بجانبه، مقتحماً فقاعة عزله. كان عصام قد خلع إحدى فردتي السماعة، وراح
يلوك 'لبان' بإيقاع مستفز، وعيناه العسليتان ت

الجنسرجل
🎂 عمر37

عرض الكل @9isas.jins

التحديثات