متسلسلة مذكرات مراهقة تدخل عالم الكبار ـ حتي الجزء الرابع 24/7/2023 مذكرات مراهقة تدخل عالم الكبار
انطلق بنا مركب الصيد الكبير في جولة ليلية. كنا وحدنا. "أسماء" ابنة خالي وصديقها "علال" ابن صاحب المركب وأنا...
غابت الشمس مخلفة وراءها في الأفق الغربي سماء مشتعلة حمراء، تتحول كلما ارتفع البصر إلى ظلام بنفسجي داكن. يترنح بنا المركب مبتعدا عن الشاطئ، يخترق العتمة. يرتفع عاليا كلما عانق موجة فإذا مرت انخفض بسرعة خارقة محدثا صوتا شبيها بصوت ارتطام الموج بصخور الشاطئ الهارب خلفنا. تغوص المقدمة تحت الماء لحظة ثم تطفو من جديد فوق الماء.
أتمايل مذعورة فتهمس أسماء في أذني مهدئة من روعي، بعد أن رأت علي علامات الخوف والارتباك:
= لا تخافي، بعد قليل نبتعد عن منطقة الأمواج. سوف تملين عندئذ من الركود والهدوء القاتل"...تدريجيا بدأ المركب يهدأ سابحا في صمت ثقيل لولا هدير المحرك. أطل "علال" من قمرة القيادة مناديا "أسماء" لتلحق به. تركتني لحظة فاغتنمت الفرصة لأنعزل عند المقدمة بعيدا عن القمرة حتى لا أكدر خلوة العاشقين. كانت المدينة تبدو في الأفق البعيد وسط ضباب كثيف مزركش بنقط الإنارة كأنها سحب مرصعة بدرر لامعة. بعد قليل عادت أسماء تسحب خلفها "علال"، كان يحمل فوق كتفه صندوقا بلاستيكيا على شكل ثلاجة. عندما فتحه أطلت منه زجاجات البيرة غارقة تتزاحم بين قطع الثلج. اغلق الغطاء ثم جلس فوقه بعد أن سحب ثلاثة قنينات.
فتح الأولى ومدها لأسماء فتلقفتها مستعجلة. فتح الثانية وقدمها لي فاعتذرت له بلباقة وأدب. تدخلت أسماء ضاحكة تحاول إقناعي بكل الطرق لأقبل الهدية. قالت إنها لم تفهم مطلقا كيف يكون بيتنا دائما مملوءا بكل أنواع المشروبات الكحولية ومع هذا لا يغريني الوضع كي اسرق بعضها، خصوصا حين تسوء الأحوال ويضطرب المزاج وتختفي الرقابة.
تناولت القنينة لأضعها جانبا. تسلل "علال" عائدا للقمرة ليرجع منها محملا ببعض الطعام. وضعه فوق منديل أبيض مفروش على أرضية المركب. أنواع من السمك المقلي، زيتون وخس وطماطم وفلفل أحمر. في وقت وجيز تراكمت أمامنا قنينات فارغة، كان التنافس بين العاشقين مركزا حول الاستهلاك في انتظار اشتعال الحواس الخمس. رشفت من زجاجتي رشفة سريعة فلم تعجبني. وجدت طعمها مرا، غير أن إحساس اللسان ببرودة السائل ووخز الفقاعات تنفجر عند ملامسته، وانسيابها البارد نحو الحلق مخلفة بعض التنويم غطى على المرارة وأضفى على المشروب جاذبية ساحرة. جربت من جديد...مع الجرعة الخامسة وأنا مغمضة العينين صار الطعم عاديا ولذيذا. ابتلعت نصف الزجاجة للتجريب بين الرغبة والنفور. أتردد لحظة أفكر محاذرة مخافة أن يهاجمني التخدير، إلى أن كبرت الجرعة تدريجيا. أحسست بلذعة لذيذة متبوعة بخدر خفيف يداعب لساني وحلقي ولساني. بعد الابتلاع يفيض على حواف اللسان دبيب ممتع...انتبهت لأسماء وعلال فوجدتهما يضحكان وينظران إلي وهما متعانقان.
مدت لي أسماء زجاجة أخرى فتناولتها بلا تردد. كان علال يلبس سروالا قصيرا يصل إلى أعلى الركبتين. نزع قميصه فبدا صدره عاريا يغطيه شعر كثيف. بدأت أسماء تغمز بأناملها حلمتيه. تنهد الرجل مركزا بصره علي ثم هب واقفا. تمطط قليلا قبل أن يحيط بذراعيه أسماء ويحملها مثل عصفور. سار بها مسرعا نحو قمرة القيادة...تركاني وحيدة أمام الصندوق أتأمل السماء والنجوم وأبحث في الأفق عن شبح المدينة المتراقص خلف الضباب. رؤية الأشياء على بعد مترين تعذرت منذ فترة. تعجبت للوضوح الذي يجعل النجوم حاضرة في هذا الصمت السافر البارد، تلوح كأنها معلقة في صفحة خيمة هائلة. الخدر يزداد بينما أعصابي ترتخي وأحس لأول مرة أني كبرت وصرت قادرة على التحليق وركوب الأمواج العاتية.
فجأة تناهى إلى سمعي صرخة حادة كالرعد. شقت هدوء البحر والليل. خيل لي بعد التنصت أنها قادمة من القمرة. تكررت الصرخة متبوعة بما يشبه البكاء والأنين. كما لو أن أسماء تطلب النجدة. اقتربت من القمرة وأصخت السمع. تحولت كل حواسي إلى زعانف تلتقط أدنى هفيف أو حركة. دوت الصرخة ثانيا وثالثا ورابعا، تلتها سلسلة من التأوهات بددت تخيلي وقلقي...تجرأت ورفعت راسي أطل من نافذة جانبية لأرى ما يحدث. كانا عاريين تماما في الداخل وهي تدير ظهرها إليه. يداه تحيطان تارة بخصرها وتارة تنغمس الأصابع بين خصلات شعرها لتجذبها بعنق نحو صدره، وتارة أخرى تحيط نهدها لتدعكه بقوة تزيد من صراخ أسماء. يلتصقان ثم يتسع الفضاء ما بينهما قبل أن يجرها بعنف ثانية حتى يتحد ظهرها بصدره. مع كل انجذاب واندفاع
تصرخ أسماء بشبق وانفعال ملتاعة كأنها تتلقى طعنة سيف تبدد صمت الظلام. كان أير علال يظهر ويختفي بين الردفين المكتنزتين. تحول الصراخ إلى توسلات متسارعة متواصلة وأنين. كان علال يلهث فاغرا فاه ويداه تلفان خصلات شعرها وتجدبه بقوة. تدفع نهديها أماما نحو المجهول بينما رأسها وعجيزتها عائدان إليه مشدودان بسحره. صدرها مقوس نافر يتأرجح نهداه وعيناها جاحظتان معلقتان بنقطة لا ترى في الفراغ والظلام. لم أفكر أبدا أن للغرام رقصات عنيفة كهذه. كانت أطرافها كلها ترتعش كأنها مفصولة عن الجسد، تكاد ركبتاها تخونها لتسقط لولا خبرة علال الذي يمد ذراعه اليمين محيطا صرتها من الأمام ليرفعها نحو وسطه. كان ما يزال في حاجة إليها لأن حركته المتوازنة لم تتوقف. تحاول أن تنفر منه قليلا لكنه يجرها بعنف.
تقابلت نظراتنا فأحسست بالعرق يتصبب من جسمي وبخجل مباغت كاد يخنقني. خفت أن يتهماني بالتجسس فعدت مسرعة مستغربة ما رأيت نحو الصندوق. فتحته وتناولت جعة ثالثة تجرعتها بسرعة لعل برودتها تطفئ نار الغيرة والمباغتة والخوف. راودتني مشاعر غريبة شعرت بها لأول مرة في حياتي. هل تكون هذه هي الشهوة التي يحذرونني منها؟ هل من الضروري أن نصرخ ونبكي لنحس ونشبع ونهيم؟
أطلت أسماء قادمة نحوي تتهادى ضاحكة المحيا. شعرها مشتت وعيناها ناعستان. تمددت على أرضية المركب عارية ومتعبة. تعلقت عيناي بحركة نهديها المستديرين النافرين. زاد جمالهما عندما استدارت بجذعها صوبي. وقفت من جديد لتفتح الصندوق. تناولت منه جعتين وعادت مسرعة إلى القمرة. ظلت عيناي مشدوهتين معلقتين بعجيزتها وهي تنسحب متهادية كأنها ترقص مدفوعة بموسيقى نابعة من داخلها. قبل أن تلج القمرة نظرت إلي مرفوعة وهي تبتسم كأنها تعتذر عن عريها. جسد أسماء فتنة تتجسد في حركاتها ونظراتها الجريئة الجذابة والسخية.
تكرر المشهد ذاته بتفاصيله بعد لحظات. فهمت ساعتها لماذا يهربان إلى صمت الأعماق الهادئة. هنا يمكن لمجانين الحب والجنس أن يتحولوا لوحوش بحرية تطرد ما تحمله صارخة كالذئاب دون أن يحتج عليها حراس الفضيلة أو الحساد والغيورين.
عدنا إلى الشط بعد منتصف الليل. انزويت أنا في ركن قصي بينما ظل العاشقان متعانقين في القمرة. في السيارة تغلب الصمت والتعب على الكلام المتقطع. باستثناء بعض التعليقات الساخرة حول إقبالي غير المتوقع على البيرة. قصدت غرفتي مباشرة وقد اختلطت أفكاري بين التعجب والدهشة والتساؤل عن طبيعة الشهوة. ترتفع نبضات قلبي وحرارة جسدي، وينتابني دبيب مكهرب مثل موجات كهربائية تتنقل في دمي كلما تذكرت مشاهد القمرة إلى أن غلبني النوم.
في الصباح هاتفتني أسماء لتسأل عن أحوالي. كيف نمت وماذا رأيت في أحلامي. أجبتها ببرودة غير عادية فقطعت الخط. التقينا بعد ذلك في مساء اليوم الموالي عند خروجنا من الدراسة. تمشينا قليلا نحو بيت خالي. كانت تتحدث وحدها، فجأة توقفت عن السير لأودعها لكنها تمسكت بذراعي وترجتني أن أرافقها...طردت ترددي وسألتها معاتبة:
= لماذا كل تلك الخلاعة والصراخ يا أسماء؟ فردت علي مبتسمة:
= آآآه، فهمت الآن سبب سخطك. اعتقدت أن البيرة هي السبب.
عادت لي مشاهد تلك الليلة. تذكرت خاصة منظر علال وهو يلوي شعر رأسها حول كفه وذراعه ليتحكم فيها ويجرها نحو وسطه بعنف. خفضت بصري وسألتها:
لماذا تعذبين نفسك بهذا الشكل. لقد جعلت علال يركبك ويعاملك كفرسة جامحة.
= ها قد بدأت تفهمين. هنا بالضبط يكمن سر المتعة وسحرها...وعلى عكس ما تتصورين، فليس علال هو المتحكم بل أنا. ففي تلك اللحظة يمكنني أن أفعل به ما شئت ولن يرفض لي أي طلب.
= ولم تصرخين كالذئاب؟
= الصراخ يا عبيطة مسألة ثانية. الصراخ أمر خارج عن الإرادة. به نؤكد المتعة. هو مكنسة نشطب بواسطتها كل همومنا وأحلامنا المدفونة في أعماقنا. الكهرباء التي يجمعها توتر الأيام ومشاكلها تجد الفرصة سانحة لتغني وتسبح وتطير في فراغ البحر باحثة عن سماء لا يبلغها إلا ذوو الطموح والأحلام الشبقة. كلما تعدد الصراخ وارتفع نلت المنى، وتخلص جسمك من الأدران والمتاعب المتراكمة فيه. تصبحين حرة خفيفة هادئة. لولا الصراخ بكل حرية ما كنت أغامر ليلا بركوب ظلمات البحر الحالكة. ولولاه ما كنت لا أنا ولا أنت موجودتين في هذا العالم.
= إذا كان الأمر كما تدعين لماذا لا يصرخ علال؟
= أيتها الحمقاء، نحن جسدان مختلفان متكاملان. تحس الأنثى بما يجري في الداخل أما الرجل فيركز على الاختراق. صراخنا سبيله إليه، كأنه مجرور يسعى بكل جهوده أن يبلغ غايته الأخيرة التي تمكنه بدوره
من الصراخ. حين يصلها يفقد السيطرة ويحس بأشياء داخلية تتسرب منه قبل نهاية العراك. من أجل تلك الأشياء تتهادى النساء وتتغنج وتصبر وتضحي وتغير وتموت.
= ولماذا لم أسمع صرخته إذن؟
= لأن صرختي كانت طاغية غطت عليه. بالمناسبة أخبرك بأنها آخر مرة اسمح لك فيها بمرافقتنا. فقد لاحظت أن علال يثني عليك كثيرا، وخاصة إليتيك في أوج انصهارنا. أخاف أن يطمع فيك لو تكررت الدعوة. أعرف غلمته جيدا، لن يتورع عن فعلها.
الجزء الثاني
لم أكتشف في تلك الجولة الليلية أعماق البحر فقط. في نفسي أيضا أبحرت. ظهرت أمامي حقائق كنت إلى حدود تلك الليلة أجهلها. صورة الرجل البالغ ليست دائما وقورة كما نتصوره. كل رجل يحمل ألف سر يفضي به إلى الضعف أو يرميه في متاهة الشهوات. لا تبقى هناك أيه علاقة بمظهر الناس مع حقيقتهم حين ينعزلون عنا. كل الناس يعيشون في حالة انفصام مستمر. وجه للناس ووجه لأنفسهم. لكل واحد أسراره العجيبة التي ترفع شأنه أو تخفضه. ضعفه وقوته لا يفصل بينهما إلا نظرة فاتنة حسناء تبحث في عينيه عن فحولة نادرة الوجود. اكتشفت أيضا سحر الأنثى الذي به تكون أو تنمحي تماما من الحياة الحقيقية. قوة ضعيفة كالقوارير تمسك بخناق وحش. تناقضات العالم الخفي التي تصنع الظاهر منا والخفي البئيس. بدأت المشاهد الغريبة تتحول في خيالي إلى محرك ودافع. أتساءل كل يوم هل سيكون علي بدوري أن أمر من هذه القناة لأصبح امرأة محسوسة الوجود. امرأة على شكل أمي وجدتي. من المضحك فعلا أن أفكر في جدتي الآن تحت تأثير ما رأيت. أما والدتي فقد تفهمت الآن لماذا تصر كثيرا على التغنج والتهادي وشحن نظراتها بأنوثة فتاكة، كنت أحكم عليها بالمبالغة. لعلها لا تتصنع بقدر ما تسعى ليفرز جسدها بشكل عفوي حمولته الداخلية. هو سعي برئ ممزوج بالتشهي والاستعراض المرغوب فيه.
حلت نهاية الموسم الدراسي بعد أسابيع قليلة من جولتي البحرية. نجحت صحبة "سعيد" الابن الأصغر لعمتي. كنت وإياه في نفس المستوى ونفس القسم. ربما سيرافقني أيضا خلال السنة الموالية لمواصلة رحلتنا الثانوية وإلى حدود التخرج والحصول على الشهادة. أما أخوه "سفيان" وأخي "رامي" وهما معا أكبر مني بعامين، فقد انتقلا إلى القسم الأخير من المرحلة الثانوية. بينما كان "جمال" وهو الابن الأكبر لعمتي غارقا تمتصه دراسة الطب في نهاية سنتها الأولى حتى لم نعد نسمع أو نعرف عنه شيئا.
كنا عادة، حين يأتي موسم الصيف، إن لم يكن لوالدي أي مهمة أو برنامج ينشغل به عنا خارج الوطن، يصبح من حقنا أن نرافق أمي لقضاء فترة العطلة في بيت الأسرة بمراكش. كانت لنا فيه فوائد منها المسبح والقرب من قلب المدينة النابض. منه يسهل علينا التسكع بعد أن تتناقص حرارة الصيف في المساء. نتزاحم مع الناس حول مرقصي القرود والحواة والحكائين، نتلذذ بسماع الروايات الساحرة عن أبطال الأساطير القادرين على قهر جيوش الدنيا بضربة سيف واحدة. هناك تشبعنا بمغامرات سيف ابن ذي يزن وعنترة والأميرة ذات الهمة ومعجزات سيدنا الجيلاني قاهر الأسود، وغيرهم.
كان أخي يصر على مصاحبة سفيان في سفره العائلي، ولم يكن أحد يعترض عليه. حين لا اصحبهما في التسكع أبقى وحيدة أتأسف لأن خالي، غير الشقيق، كان يمنع ابنته "أسماء" من مرافقتي. تقول أمي أنه يتعلل بكون بيتنا مملوء بالغرباء والضيوف ولا يطمئن عليها من دون رقيب. يمضي معه أسبوعا أو أكثر قليلا ريثما يملان من المدينة فيجدان حججا كثيرة للعودة لمدينة آسفي. لهما بلا شك هناك أسرار ومغامرات يفتقدان جوها وفوضاها بمراكش.
هنا الجو العائلي شئ مفقود في الواقع. لكل واحد همومه وانشغالاته ومهامه التي تستأثر بكل كيانه ووجدانه. يعيش الصغار في ضياعهم حول المسبح أو في أركان الحديقة والغرف ريثما يحين المساء، بينما يغرق الكبار في تحضير أمسياتهم وسهراتهم الخاصة. عندما تحل نهاية شهر يوليوز يغتنم أبي فرصة حلول مناسبة الاحتفال بتقاليد عيد العرش الملكي. ينظم لقاء لقادة الحزب فترتمي أمي بدورها على الفرصة لتنظم حفلة كبيرة تليق بثقل وعظمة المناسبة. تقول للتبرير إنها كذلك تحتفي بنجاحي أنا وأخي. هكذا كنت أظن دائما قبل أن أكبر أكثر. لاحقا، سوف أعرف أشياء أخرى عن هذا النوع من الحفلات التي تستمر عادة من صباح اليوم إلى آخر الليل الموالي. كل المدعوين يتهافتون لحضور اللقاء لحاجات في نفوسهم لا يعرفها سواهم. تأكدت من ذلك فيما بعد عندما بلغت الجامعة. فجأة يمتلئ
بيتنا بالمدعوين...شخصيات معروفة، منهم وزراء ومنتخبون وإعلاميون ورجال سلطات محلية ومقامرون أو وسطاء مختصون في تشمم الفرص للبحث عن مشاريع أو أسواق وعلاقات تجارية أو غرامية جديدة.. قليلون منهم يصطحبون زوجاتهم وأبناءهم. أوصتني أمي أن أكون لطيفة مع بعضهم لو تقربوا مني أو استلطفوني. كان بعضهم مدعوا للمبيت عندنا، بينما سيرحل معظمهم في نهاية السهرة للغرف التي حجزها والدي خصيصا لإرضائهم في فنادق فخمة كالمعتاد، كما لو أنه يشكرهم على الحضور.
تشتغل أمي طيلة اليوم كخلية نحل نشيطة تعد شهدها وعسلها للحاضرين. تحصل من والدي على توصيات دقيقة محددة فتطبقها بأكملها ببراعتها المشهودة، مع زيادات تتطلبها ظروف الاحتفاء والاستقبال. تقدم لكل واحد حسب أهميته ومقامه. تبتسم لهذا وتعانق الثاني بحفاوة مبالغ فيها توحي بأنها تعرفه من قبل عن قرب. كلما زادت القيمة الشخصية زاد الترحيب. تقف مع هذا وتتودد لذاك مبتسمة سعيدة بردود الأفعال. بعض النساء الحاضرات ينظرن إليها بنوع من الغيرة والحسد باد عليهن. تبدل لباسها بين حين وحين وتستحم مرارا وتستعمل من العطور والروائح ما قل مثيله. تبدو سعيدة بنشاطها راضية عن معجبيها وحاسديها. كان الطعام يأتي من خارج البيت من مطاعم ذات سمعة مشهود لجودتها بالإتقان، مما يترك لأمي كل الوقت لتلعب دورها كما تجب بلا توتر.
بعضهم لم يتردد عن استعمال المسبح مع أهل البيت هروبا من حرارة الصيف. غرف عديدة تم تخصيصها لبعض الوزراء من قادة الحزب. هؤلاء لهم معاملة خاصة تكاد تكون عائلية. كلهم يمازح أمي ويضحكون معها. منهم من يعاملني بالمثل وإن حذرتني أمي من العيون الزائغة.
صار أبي عضوا في قيادة الحزب قبل عامين من ذلك اللقاء الذي صادف نجاحي. في نفس الوقت دخلت أمي قيادة مجلسه الوطني. لم يبق سواي أنا وأخي، ولا يستبعد أن نستدعى قريبا لعضوية الشبيبة. بالنسبة لي لا يعني لي ذلك شيئا. طز على سياسة أحزابنا ومن فيها وما يأتينا منها. لا أرى أي فائدة من تضييع وقتي مهما كانت وضعيتي في سياستهم. لم أكن أومن أو أتخيل نفسي عضوة في أي حزب. لو كان الأمر بيدي لشكلت حزبا يطرد منه كل الذين تجاوزوا الثلاثين. حزب يكون له أهداف لا تخطر ببال هؤلاء. ربما لذلك كلما حاورت أحدا من المقربين عن فكرتي يعتبرني مارقة متفلسفة، أبحث لنفسي عن تحرر زائد. حتى أسماء المستهترة، سخرت مني واعتبرتني حالمة. قالت لي مازحة:
= كيف تنجحين في السياسة والأحزاب وأنت لم تفلحي حتى في العثور على ذكر لدبرك؟ ... تقول هذا وتطلق ضحكة عالية.
عندما سألت أمي، كيف ينفق أبي أمواله هكذا بلا حساب على الغرباء؟ أجابتني باقتضاب دون أن تنظر إلي أو تتوقف عن الحركة:
= لا تخافي... أبوك يتقن الحساب ويعرف دوما كيف يخدم مصالحه.
أذكر أني التصقت ذلك اليوم بأمي لا أفارقها. كلما قابلنا ضيفا مهما تقدمني إليه. كما لو أنني كنت أعرف كل من قدموا لي. بدوري، تصنعت السذاجة وأطلقت العنان لأسئلتي كدليل على الفهم والاهتمام. أسأل بعضهم فيبتسم ويطلق لسانه بتفسيرات لا أستوعبها. آخرون أبدي استغرابا لكثرة الصعوبات التي يعانون منها وخاصة منهم أعضاء البرلمان. أشكر بعضهم باسم شباب لم يكلفني منهم أحد بالمهمة. صنابير عديدة مقرفة تنفجر في وجهي بالشرح والتوضيح وأنا أبتسم وأحيانا لا أهتم ولا أفهم. فقط أطلق السؤال كرصاصة وأتقوقع داخلي حتى تمضي العاصفة. أحرك رأسي فقط ثم أختلق حركة كي أنزلق بعيدا عن الهذيان.
*******************
أخيرا، أثناء انتقالنا للسنة الدراسية الموالية. بدأ سعيد يشعر أنه بلغ قدرا من النضج يستحق معه أن يظهر للعالم أنه موجود كرجل. أن تكون له صديقة حقيقية بالمعنى الكامل للصديقة. بدت عليه جرأة طارئة. في التصرفات والنظرات ومخاصمة الأقران. بدأ يدخن أحيانا إلى أن فاجأته عمتي ذات يوم فاشتكته لأخيه الأكبر جمال. ما كادت الدراسة تنطلق حتى اقترح علي أن نسرق زيارة خفيفة لبيتهم. كانت أمه مشغولة في بيتنا تساعد أمي في أمور البيت. فكرة عبقرية، قلت في نفسي، فبيتهم دائما فارغ في مثل هذه الظروف. أمي لن تسمح برجوع عمتي لبيتها قبل أن تجمع صحون طعام العشاء وتغسلها. وسفيان أخوه مشغول صحبة أخي في أمورهم الخاصة ببيتنا أو في بعض المقاهي يتفرجان في مقابلة أو يلعبان الورق. أما جمال، فهو في مراكش. لذلك وافقت على الفور.
في هذا اللقاء الجديد، كان من المفروض علينا معا أن نتجاوز ما تعودنا
عليه. توقعت أن يمر الانتقال بين الحالتين بيسر وسهولة. الشروط كلها توفرت أمامنا. انتظرت منه أخذ المبادرة. طفقت أنتظر إليه كقطة جائعة. لكنه ظل تائها يدور حول نفسه. يقبل ويتحسس صدري وظهري. يتوقف، مثل عصفور يتوخى الحذر أمام فخ منصوب أمامه. أصيبت يداه ولسانه بالشلل. قلت في نفسي، ها هو على أحسن ما يرام فلماذا يتردد؟ هناك فرق كبير بين تصور الفعل والإقدام عليه. بين حب الظهور والتجسيد الملموس. تمددت أمامه فوق الفراش مديرة له نصف ظهري. توقعت أنه سينقض علي حين يرى الأكمة تواجه صدره وتستفز عينيه. سعيد الذي كان يزهو في الخارج صار مثل جرو يلعق خيبته وخجله. وجدت نفسي حائرة حتى كدت أطوي الصفحة إلى أجل غير معلوم. كان يقف بئيسا بملامح يائسة لا هو راغب في التراجع ولا هو قادر على الهجوم. تنازلت عن كرامتي وبدأت أستميله بنزع ملابسي. استحضرت بعض نصائح أسماء علني أحفزه. حتى النظر في وجهي صار ثقيلا عليه. يحني هامته ويكاد يرتعد. هل هو الخوف أم العجز؟ لا شيء فيه يعكس 7ماسه، خيمته المفترضة في ذلك المكان منهدمة ولا دليل على وجودها. خفت أن ينتهي بنا اللقاء إلى فراغ.
مددت يدي إليه أزيح عنه القميص. استسلم لي مثل تلميذ خجول. نزعت سروالي. عيناي تخفقان بعد أن رأيت شبه حركة خفيفة تحت حزامه. نزعت التبان فتحرك الشئ الذي تحت صرته أكثر. أحد ما يحاول أن يبني الخيمة الحائرة. تشجعت ونزعت سرواله أيضا. أمسكت شيأه العجيب في كفي وأحطته بأصابعي. لأول مرة في حياتي أفعل ذلك. غمرتني رعشة مباغتة وارتفعت حرارة وجهي. تحرك الشئ في كفي وبدأ ينتفض ويتمطط. دعكته لتزداد صلابته. يستغرب سعيد من جرأتي ويحملق في وجهي مشدوها. ضممته بقوة ليحتك الجسدان. حين بدأت أقبل الشئ محنية رأسي نحوه، تراجع حجمه ووزنه. في لحظة سريعة تحول في يدي مثل قطعة لحم رخوة وباردة. لم أياس. بدأت أستحثه وأستفزه. الصقته بشفتي. مسدته ودعكته وقبلته. وضعته على صدري، ثم صرتي. مررته على ردفي وجعلته يطل في الأخدود على جوهرتي. كان يزداد انكماشا مثل زعنفة بحرية أو حلزون. أخيرا نطق سعيد خافضا رأسه من الخجل والخوف. جاءني صوته من وراء ألف **** كأنه أنين أو حلم. بضع كلمات يتذرع بها من الحشمة وقلة الخبرة. أحسست برغبة في البكاء. صمت دهرا وفطرت على جرادة ميتة. تعلل سعيد بأن المرة الأولى تكون هكذا دائما. زاد اقتناعي السابق بأن الرجولة سر غامض، أما الفحولة فستظل دائما كنزا مفقودا وحلما لا سبيل إليه إلا للمحظوظين والمحظوظات من أهل الاختصاص. استحضرت المشهد المعلوم وصورة علال وهو يحفر ظهر أسماء بعنفه اللذيذ. ارتعشت أطرافي وأنا ألملم ثيابي وأستجمع طموحي كأني قوقعة تنغلق على ثورتها وشهواتها. قال وهو يفعل مثلي بأنه متأسف، لا شك أن المرة القادمة ستكون أفضل. تركته يرغي ويكذب كما يحلو له. نعم، لعل الصدمة بالنسبة إليه أقوى لكنه لا يبدي ذلك، ربما سيبكي بعد أن أودعه.
صفقت الباب بقوة ورائي وانسحبت غاضبة من حظي التعيس. في الشارع شهقت وتنفست بعمق ملء رئتي كأني خارجة من كابوس ثقيل. قررت ألا أخبر أسماء بما حصل حتى لا تشمت أو تسخر مني ومن سعيد... مر أسبوع بعد ذلك قبل أن يتجرأ سعيد على توجيه التحية لي من جديد.
**************************
بعد أقل من شهر، تشجع سعيد وعاد يقترح علي أن نعيد التجربة. حاول بكل جهده أن يطمئنني ويقنعني أنها ستنجح وأنه أصبح قادرا وعلى أتم الاستعداد... أقسم لي أن النهاية ستكون مغايرة ومضمونة. أعرف أن الحب والجنس أمران لا يلتقيان مع القسم والحلفان. قبلت دعوته على مضض، من باب المغامرة لا غير، وإن بغير اقتناع.
في نهاية المطاف، لم تكن لا ناجحة ولا فاشلة. كانت طموحاتي أعمق وأكبر مما جنيت. كل منا كون انطباعه الخاص حسب ما يتخيله. من جهة المظهر والحركات والأوضاع توفر كل شيء. هذه المرة احتفظت بكرامتي سليمة وتركته يجاهد قدر استطاعته. تلك الطاقة التي ضاق بها صدري شهورا لم تجد سبيلا للخروج منه. الإحساس الغريب الذي طالما روت لي عنه أسماء لم يتحقق. لم يتجاوز ما شعرت به ذلك القدر من المشاعر التي عرفتها من خلال اللمس والتقبيل. بل شعرت معها بألم فظيع على مستوى البطن والعجيزة. أما سعيد فتخيل نفسه بطلا بمجرد أن صب رغوته البيضاء بين فخذي. قفز نشيطا وغنى من قلبه يكاد يطير من السعادة. وكيف لا يسعد وقد
أثبت لنفسه أنه رجل؟ لا يهم أي نوع من الرجال، فالرجولة حسب ما يسمع من أقرانه تقف عند حد الاختراق والقذف. ليس غريبا ما دام الأمر هكذا على العموم في سائر المغامرات. لم يكلف نفسه حتى عناء الاستفسار عن مشاعري، أو تشطيب ما تركه بين فخذي.
قفزت بدوري نحو الحمام بنصف خيبة. في داخلي صوت يلعن حظي، ويتساءل عن مصير أنوثتي. فيما بعد، تساءلت لماذا لا يشبه الرجال بعضهم، ولماذا كتب على النساء أن تضيع مشاعرهن بين الأقدام، في غابة يحرسها ويعبث فيها رجال. علال ينسى أنه إنسان كلما ملكته الرغبة وأغرقت الفحولة نظراته الجائعة. تحسبه قادرا على المستحيل من أجل طرد نيرانها من داخله. يتحول على وحش حافر يتحكم في الأنثى بشهوته ويجرها لميدانه. يقتل كبرياءها ويستخرج منها جنون الشياطين النائمة. أما سعيد وأمثاله فهم عاجزون عن تحمل الحرارة التي يعملون على التخلص منها بأقصى سرعة ممكنة. بعض الرجال لا حظ لهم مع السحر الذي يحيل الأنثى بين أيديهم إلى خادمة مطيعة متنازلة عن حاضرها ومستقبلها. لماذا تصبح أسماء أنثى فاتنة ترفع عاشقها إلى أبعد الأجرام، لا يعود منها إلا بإرادتها؟ هل لثقافة سعيد وتكوينه النفسي والجسدي دورا في عجزه النسبي عن السمو بنفسه وبجسدي معه إلى تلك السماوات؟ حتى في الانتقال حيث يطير علال يحتاج سعيد لتأشيرة العبور. ستبقى أنوثتي مهما فعلت معلبة على هامش الفتنة في انتظار حظ قد يأتي أو لا يأتي. فشل سعيد يتسرب منه إلي ويجعلني أشك وأفقد كل ثقة في ذاتي مهما وصفوني بالروعة والجمال.
سعيد شخص مهذب، ذو تربية لا تقبل الشك أو الطعن. تمت تربيته على أسس تميز بين الخير والشر. بين الجميل والقبيح. بين الحلال والحرام. بين احترام الكبير وحماية الشرف والعطف على الضعيف والضرير ومن هو محتاج للشفقة. كل الخرافات والأساطير حشروها في رأسه منذ ولد إلى أن مكنته من جسدي. ربما رغبتي في منحه ما أقدر عليه مما لا يجعلني نادمة يزيد من عجزه على عكس ما تصورت من قبل. الاقتراب من الدبر ولو كان لأنثى حرام في ثقافته. لذلك لا عجب في أن يكون حظه مع المغامرة والعنف بلا معنى. ظلت أمه وإخوته يحذرونه من معاشرة البنات، لا سيما بنات العائلة، فلا عجب إذن حتى لو توفرت له أجمل الفرص، سيكون تصرفه مقتصرا على الخطف والاستعجال كأنه يفر من إحساسه ومشاعره، أو يخاتل المعتقدات والأخلاق التي تربك جسمه وتقلل من طاقته. لا يكاد يصدق أنه هو المعني بما يفعل. يفعل شيئا يراه حراما وهو على الأرجح لا يعيش فعلته. يسرق الفعلة في غفلة من عقله فحسب. لعله يحس كما لو أنه مجرد صورة لنفسه تغامر وتنهي ما تحب عمله في غيبة من أفكاره وتربيته. مغامراته كلها مجرد سرقات مستعجلة، يدخل مجالها بشكل سطحي على عجل، بدون رغبة صريحة بعيشها. يخاتلها ويخدعها كما يخدع نفسه وجسده. لكل هذا لست حاقدة ولا لائمة. نحن كلنا في الهم سواء.
هكذا فسرت الأمر وتركت الاستطراد والأسئلة تغلبني. نسيت نفسي. لاحظت بعد التجربتين أني صرت أقل افتتانا وتعلقا بحكايات أسماء. اعتبرت الموضوع مسألة حظوظ. وحدها مشاهد تلك الليلة في وسط البحر ظلت تهدد استقامتي. أصبح ما رأيت المثال الوحيد الذي يستحق ما يقال عن الحب والممارسة. يوقظني من النوم أحيانا وأنا غارقة في الهم والعرق. جسدي يتلوى من الانبهار ويحلم بالسماء والنجوم والضباب. أنبهر وأحتمي بالخيال وأبكي في صمت. كأنه مزرعة تنبت العواصف في نفسي. صرت أرى كل التفاصيل حتى تلك التي لم أشاهدها فعلا.. يداي تطاوع أحلامي بدون علمي. تعبثان بجسدي باحثتان عن تعبي وشفائي. أندفع وراءهما إلى المجهول. تشدني المشاعر الخفية إليها بلا ملل، أجري خلفها لاهثة كل مساء ناسية ألف مرة مشاعري مع سعيد. ذلك الولد الذي يسعى جاهدا إلى الرجولة قبل الأوان. كل صباح أندم على ما يحدث لي في الليل. بالنهار تراودني فكرة الإقلاع والتوقف عن سكة الإجهاد المجاني. أغرق في الندم وتأنيب الضمير. أكره نفسي وأمقتها. أبكي ابتعاد روحي عن عالمها ومحيطها الهادئ الرزين. لكني في الليل ألتمس لها ألف عذر كي تمارس جنونها الطارئ. تمضي طائرة بي حيث لا وجود للأساطير والتقاليد والأخلاق. أفيض عرقا وتحمر أطرافي ووجداني يحترق. أنسى بسرعة عزيمة النهار وأنبطح تائهة في صحراء الشهوة الغامرة، في كل خاتمة ألعن حقيقتي وأقسم أن تكون هذه نهاية العذاب.
في ساحة المدرسة التقيت أسماء. لم نتقابل منذ مدة. كنت
في الواقع أتحاشى لقاءها. بادرتني بسؤال خبيث مبتسمة:
= أين غيابك أيتها المجنونة. تهربين مني لتحتفظي بالأخبار السعيدة وحدك
= كيف ذلك...سألتها. أية أخبار تعنين؟
= لن ينفعك الكتمان. تصرين على الكذب دائما. لقد أخبرني سعيد بأن التجربة بينكما قد نجحت هذه المرة.
أجبتها بانفعال شديد:
= نجحت؟ ربما هي كذلك بالنسبة لمن أخبرك فقط. أما أنا فلم أجد فيها ما يستحق أن يحكى.
= ولماذا؟ ألم تبلغي هدفك ولو مرة واحدة؟
= لا لم يقع شيء مما تتصورين.
= أأأه...هذا ما يسمى عدم التفاعل أو عدم التكافؤ...أحدكما لم يتقن دوره كما يجب، لا بد من تكرار التجربة مرارا كي تنجح.
= التكرار؟ لا... لن أحتمل، أفكر في التوقف والانقطاع، سأنتظر يوم الزواج.
أطلقت ضحكة ساخرة عالية قبل أن ترد:
= كيف؟ ومتى بالسلامة سيأتي زمن الزواج؟ أراك تفكرين مثل جدتنا. من يضمن لك في الزواج أن ما تبحثين عنه سيتحقق؟ هذا علاوة على ما وراء الزواج من متاعب وبرامج يطول شرحها.
= لكني أكاد أجن، لا يمكن أن أستمر مع سعيد، مع احترامي له كشخص ظريف. كل ليلة أجد نفسي في حالة يرثى لها.. إن كان لا بد من تكرار التجربة فليكن مع رجل حقيقي.
= ومن هو هذا البطل المحظوظ؟
= لم أستقر بعد على قرار. المهم أن يكون من نوع علال....
= هذا الاختيار ليس مستحيلا لكنه صعب التنفيذ. لعلمك، أحن كثيرا للزمن الذي أصبح فيه قادرة على الممارسة مع ذكرين في وقت واحد، لكن العكس لم أتخيله بعد. من جهتي لا يمكن أن أتخيل نفسي مع علال بحضور أنثى غيري.
= لكني لم أقل إني اخترت علال للتجريب، كل ما هناك أني أرى إن كان لا بد من الاستمرار، فليكن مع شخص من طينته ...هذا ما قلت.
= فهمت، لست غيورة وما يربطني به ليس حبا على أية حال.. إني أستعمله فقط لأغراض عديدة أهمها أحاسيسي وأنوثتي. لا أحتمل الإبقاء على جسدي مهمشا مثل جثة ميتة أو مومياء محنطة تنتظر من يزيل عنها الغبار في ليلة الدخلة المعروفة.. علال يمنحني فرصة العمر متى ما شئت. أليس هذا أفضل لي من تعزييب النفس كل مساء معزولة عن العالم.. دعي الموضوع لي حتى يختمر، ربما أدبر لك الحل الملائم
الجزء الثالث
لست أدري كيف تمكنا من النجاح في ظل هذا الاستهتار والتميع...أقول هذا عن أخي على الخصوص، أما أنا فقد كنت أعتمد عليه وعلى أسماء كقاطرتين تسحباني باستمرار. بالنسبة لي فإن أسماء، تعد نموذجا ما دامت تنجح دائما بتميز رغم ما تعيشه من لهو وزندقة. حين أستغرب نجاحها، تضحك وتعلق قائلة:
= من يشحن نفسه بطاقة مثل طاقة "علال" لا بد أن ينجح بكل سهولة. أنا لا أشغل نفسي مثلك طول الوقت بالتفكير الفارغ. ساعة الامتحانات أتفرغ بعد أن أستمد ما ينفعني وأطرد كل أنواع التوترات السلبية.
كنت أسألها عند اللزوم كلما اقتربت الامتحانات، فتساعدني بإخلاص.. الواقع أني لولاها مع أخي، لكنت اليوم خارج الدراسة في وقت مبكر من حياتي. يحدث هذا وأبي لا يسأل ولا يهتم. لم يخطر بباله يوما أن يستفسر عنا في المدارس أو يسأل أساتذتنا. كان يلتقي مديرين ومسؤولين وأساتذة في عدة مناسبات، إما بسبب اشغال البناء والترميم التي يباشرها طوعا أو بالطلب. كان مستعدا على الدوام لتقديم العون حبا في الظهور، لا سيما كلما اقترب موعد الحملات الانتخابية. أو في نطاق اجتماعاته وأنشطته الحزبية. أما في مجال الجد والمسؤوليات الأسرية فقد كنت وأخي نحتل عنده نهاية القائمة بامتياز. الأغرب أيضا أن أمي بدورها تسايره وتصر على الغياب. تنشغل بنفسها عن أحوالي وأحوال أخي. عمتي وحدها تدفعنا مع ولديها، تحتج أمام أمي أحيانا عند اللزوم.
حدثت المفاجأة لما بدأ والدي ينتبه لوجودي... كان ذلك إثر الحفل الذي صادف نجاحي في الانتقال من الإعدادي إلى الثانوي. رأيت اهتمامه في تحول نظراته. لا توجد أي صعوبة في اكتشاف الإعجاب من خلال النظرات، سيما حين بدأ يحرص شخصيا على تقديمي لعدد من زوار البيت من ألمقربين إليه. استمر هذا طيلة موسم الصيف. أمي بدورها زاد اهتمامها بي. صارت تسألني عن أمور وتوصيني بأخرى. تصحبني معها في نهاية الأسبوع إلى مراكش إن غابت عنها لأسباب عائلية أو تجارية تستدعي وجودها بآسفي. بالنسبة لي، أعجبني التحول
وأراحني. عثرت فيه على ما يشغلني عن ضياعي وراء الهلوسات والأفكار الطائشة الأخرى. قلت في نفسي لعل ترحيبي بهذا التحول يرجع لكثرة الإطراء والإغراء التي أحصل عليها من والدي وأصدقائه، وشخصيات عديدة مشهورة. كل يعبر بطريقته مندهشا عن جمالي وذكائي. للأنوثة دور لأن العيون لا تخفي ما تسره الصدور. إعجاب الكبار والشخصيات يريح ويغري أكثر من إطراء الأقارب والأصدقاء المراهقين مثلي... بل أكثر حتى من محاولاتي اليائسة مع ابن عمتي سعيد. ورغم أن بعضهم يتجرأ ويبالغ في مدحه، إلا أني تقبلت الأمر واعتبرته تشجيعا دافعا ينقلني بسرعة من مرحلة لأخرى بدون خسائر... مغازلات كبار السن مثيرة ومحفزة تغري بحياة حقيقية. تعلمت التغنج والدلال وصرت لطيفة أكثر من المطلوب. أعجبت أمي باندماجي في ثقافتها وسرعة فهمي لما تسميه البروتوكول.. كانت تعلق على سلوكي مع الضيوف المعجبين بقولها:
= هذه الأميرة تذكرني بنفسي عندما كنت في سنها.
من حين لآخر كنت أسمعها تجود علي بمزيد من النصائح الثمينة كخبيرة لا يشق لها غبار. تعلمني كيف أرد إن لم ترقني مغازلة أحدهم... كيف أجيب إن حدثني آخر عن خصوصياتي. تقول لي، اعتبريه فضولا لا غير. ردي عليه بابتسامة ثم انصرفي. أما لو سألوني عنها وعن أبي فالصمت هو أحسن رد ممكن.. لا تغضبي أبدا، تقول، حتى لو اعتبرت السؤال خبيثا أو سبة أو تدخلا في شؤون الأسرة الداخلية... الحساد كثيرون، ومنهم من يهمه أن نتخالف ونسئ العلاقة ما بيننا.. أعجبني خاصة أنها بدأت تسمح لي باحتساء قدر محدود من زجاجات البيرة كلما شعرت بالمضايقة أو اشتد علي الحر، أو كثر من حولي الزوار. تقول لي :" البيرة جيدة لأمثالكن شرط ألا تدخني" هذا أفضل لك من مساحيق التجميل. ترتخي الأعصاب ويتبخر التزمت والانغلاق والتشنج وتذهب عنك الدهشة ويصبح كل شيء في نظرك سهلا قابلا للتنفيذ.. فضلا عن ذلك تحمر الوجنتان ويعلو بريق العينين...وتزداد الجرأة.
كانت أمي تحرص على التسوق أسبوعيا... تخصص صباح يوم الثلاثاء للتجول في الأسواق القديمة المعروفة.. ثم تعود إلى متاجر حديثة في مركز المدينة. عرفتني على بعض الباعة، بعضهم يعرف جدي.. كانت تفضل الخروج صباحا قبل أن يشتد لهيب الشمس المراكشية... أرافقها كنوع من التدريب وملء الفراغ بدلا من البقاء وحيدة بالبيت. خيل لي من تقاربها معي، أني بدأت افهمها كما هي لا كما كنت أتخيل.. كنت مخطئة. اعتبرتها مجرد ظل لوالدي حتى عاشرتها يوميا، لما بدأ الكلام بيننا يتقوى ويحفر مساراته الطبيعية. أمي امرأة هيأتها السليقة الأنثوية، مع ما ورثته من جدتي، إلى الاندماج بسهولة مع أصعب الأمزجة وأكثرها تعقيدا وأنانية.. ومن ضمنها عقلية أبي. ربما لذلك أصبح يوكل لها شرح وتقديم ما يعجز هو عن فهمه وشرحه.. خاصة ما يتصل بعلاقاته المعقدة، ومواعيد لقاءاته حتى السياسة منها... خاصة ما يتصل بالتنظيم. توجه الدعوات بحرص شديد دون أن تغفل أي اسم يستحق الحضور.. تقترح قبل ذلك أسماء معينة فيستغرب، لكنها تلتمس منه عدم الاستعجال وتنصحه بالتفكير في ربط الصلة بين الاسم المقترح وبين الغايات التي يرمي تحقيقها. عندما يعثر على الخيط الناظم، يوافقها فورا... بعد أن تكررت الحالات لم يعد يتردد في الموافقة.
أصبحت أمي بجمالها وقوة شخصيتها، وحسن تدبيرها، مضرب الأمثال. لم تكن تعترض أو تسأل عن الجدوى من أي فكرة أو مشروع.. مما زادها قوة وقبولا لدى والدي. تساعد فقط في الخطوط الكبرى إذا طلب منها ذلك.. أو في اقتراح بعض الإضافات الضرورية، وهندسة الخطوات الأولى... استمدت هذه القدرة من جدتي، مهندسة الديكور التي يعرفها الجميع في مدينة آسفي. أمي ذات خبرة كذلك في إيجاد الوسائل والسبل والأمور اللوجستية. حتى تقدير الميزانيات حسب مستوى أي مشروع... تعرف النقط الحساسة ولا تغفل أي جانب، بما في ذلك متطلبات السفر والإقامة والأكل والسياحة.. تحضر كل شيء وتترك التطبيق لأبي ومساعديه الذين لا نعرف من بينهم إلا القليلين.
تدريجيا، أخذنا نتحدث عن الجوانب الحميمية دون رفع **** الحشمة بشكل كامل.. منذ البداية كانت خطتي هي أن التمسك بالإنكار يؤكد البراءة... مع ما في الإنكار من مخاطر فقدان الثقة التي بدأنا نرسخها بيننا بصعوبة. سألتني إن كان لدي صديق في المدرسة، أو من بين أبناء العائلة. فلما أنكرت، أعادت طرح سؤالها بطريقة لطيفة ومحتشمة:
= حبيبتي هذا أمر طبيعي. لقد أصبحت الآن في الثانوي، أنت فتاة جميلة ومثيرة.. منظرك يوحي بأنك أكبر من سنك الحقيقي. لا بد أن تجدي نفسك تحت المجهر.. صدقيني بعد
قليل سيتكاثر حولك المعجبون. لهذا عليك أن تستعدي جيدا لما سيأتي من تغيير في حياتك. وأنا لا أرمي بالسؤال أن أحرجك أو أمنعك. كأم هدفي هو تحضيرك نفسيا وجسديا. بوسعك أن تكسبي أصدقاء، ولكن إياك أن تقعي في الحب.. أحذرك من التعاطي للجنس قبل الأوان... خاصة أن والدك بدأ يهتم بمستقبلك ويخطط لنجاحك. أنت تعرفين أنه لا يضع عينه على أمر إلا حين يتأكد من أهميته ويثق في نجاحه.
اكتفيت بالاستماع والشكر والإنكار طبعا... حرصت على عدم مناقشتها كي لا تستدرجني لحلبة لا أتقن النزال فيها. بدا عليها الاطمئنان رغم كونها لم تصدقني تماما ولم تطرد الشك. قالت لي إن عمتي أخبرتها بأني مؤخرا صرت أمضي وقتا أطول مع ابنها سعيد. قلت لها:
= هذا صحيح، لكنه كان في فترة التحضير والمراجعة قبيل الامتحانات فقط. ورغبة مني في كسب مزيد من ثقتها أضفت قائلة:
= لست حمقاء حتى أسمح لأحد أبناء العائلة أن يتجاوز حدود ما هو مسموح به.
لاحظت أن جوابي أقنعها وأفحم فضولها. فجأة، خطر ببالي أن اسألها عن جمال.. كنت أعلم أنها طالما استعانت به في بعض تمارينها الرياضية، أو للحصول منه على جلسات تدليك بالمجان.. لم تكن هذه ميزته الوحيدة، فقد كان منذ صغره متفوقا في مجموع المواد العلمية، كريما في مساعدة أبناء العائلة. يقدم دروسا في الرياضيات والفيزياء لأخي وأخيه سفيان وأسماء وآخرين مجانا، أو بمقابل رمزي.. أجابتني وهي تحدق في عيني كأنها تبحث فيهما عن سبب السؤال:
= أنت تعرفين أن والدك منعه من زيارة البيت، ومنعني أيضا حتى من مقابلته خارجه. غير أن عمتك حين سألتها عنه، قالت إنه تغير بعض الشئ عن المعتاد.. صار كئيبا محبا للانعزال. بل لم يعد يزورها في بيتها منذ انتقل لدراسة الطب بمراكش. هي التي تذهب لرؤيته عندما نطلب منها خدمة أو مساعدة هنا بمراكش. المهم أنه نجح في نهاية سنته الأولى بالكلية.. ما يثيرني، هو أنه بعث لي مع أمه يلتمس مساعدة مالية، مع أنه عادة ليس مسرفا.
= وكم تبلغ المساعدة المطلوبة؟
= طلب مبلغا يفوق ألف دولار بقليل، حوالي اثني عشر ألف درهم تقريبا.. هذا عدا ما أرسله له في نهاية كل شهر..
عندما سمعت الخبر من أمي فكرت أن جمال ربما يريد شراء دراجة نارية تخلصه من انتظار وركوب الحافلات ذهابا وإيابا للكلية. لكن بعد صمت قصير، استأنفت أمي حديثها:
= ليس المهم هو المقدار، بل التبرير الذي قدمه. إذ حسب أمه، فإنه يريد المشاركة مع جماعة من الزملاء في رحلة إلى تركيا ومنها إلى الديار المقدسة لأداء مناسك العمرة. سوف أخبر والدك وإن وافق سوف أساعده طبعا.
شعرت بفخر كبير وأنا استمع إليها.. هذه هي الأم التي كنت أطمح إليها وأبحث عنها. كم تمنيت أن تكون أمي سخية وسيدة صالحة أفتخر بها وبسمعتها.. مثل جدتي تماما. سيدة تشمل أفضالها جميع المحتاجين.. تحب الخير للجميع وتضحي من أجل ذلك. سموحة رؤوفة بقدر اتساع قلبها. لم أعلم بعد هذا بنهاية ما طلبه جمال. هل قبل أبي مساعدته أم رفض؟ وإن رفض ما هي تبريراته. لقد صادف في نفس الأسبوع فقدت جدتي أحد إخوتها. توفي إثر حادثة خطيرة، اصطدمت سيارته بقطار عند أحد الممرات غير المحروسة. يحدث هذا حتى في بلد كالسويد.. تقرر أن ترافقها والدتي وخالي، بحكم توفرهما على الجنسية السويدية بالوراثة عن جدتي. كان من الأدب أن تشارك الأسرة في العزاء والقيام بواجبات القرابة. ستقضي أمي أسبوعا على الأقل مع جدتي أو أكثر.
هكذا وجدت نفسي من جديد وحيدة، أواجه قرفي ومللي وأستعيد هلوساتي المحنطة قبل أن تزول وتختفي. لم أكن أرى والدي إلا نادرا في المساء. غالبا ما كان يعود للبيت بعد منتصف الليل، في حين كنت ألجأ لغرفتي باكرا في معظم الأوقات. كنت أفعل نفس الأمر حتى في حالة وجود أمي. أحسست بملل ثقيل. تجولت وحدي مرارا واكتشفت معالم لم أكن عرفتها من قبل. أترك البيت مع **** المغرب، حين يخف القيظ وتتحرك بعض النسائم المنعشة.. أتسكع في شوارع وأزقة وأحياء لا أعرف منها سوى القليل. عشية اليوم الثالث بعد سفر أمي، سمعت أذان العشاء بينما أقف في إحدى "حلقات" ساحة "جامع الفنا" أتفرج على مسرحية يرويها رجل أعمى.. قررت العودة للبيت بالحي الشتوي. حينما مررت قبالة **** الكتبية، أمسكت يد قوية بذراعي. التفت نحو صاحبها، فإذا
أنا أمام رجلين. أحدهما قوي الهيأة طويل يبدو من نظرته، عند التركيز عليها، أنه ما يزال في بداية الشباب. الآخر قصير أصلح مستدير يشع الفراغ المخيف من عينيه.. ارتبكت خائفة لكن الرجل الطويل تأملني ثم ابتسم، أخيرا تبينت أنه ابن عمتي جمال. نعم هو بالذات بغير صفاته المعروفة. كانا معا يطلقان شعر اللحية حتى تدلى فوق الصدر بلا نظام. كان حليق الشارب والرأس، كلاهما يضع فوق رأسه طاقية مراكشية قصيرة ومدورة لا تغطي مجمل الرأس. ذات شبه كبير بكوفية اليهود، تستقر بالقنة وحولها بقليل. يلبسان جلابيتين لونهما أسود بدون قب أو غطاء. تحتها أقمصة بيضاء مصنوعة من القطن. وينتعلان صنادل تطل من مقدمتها أصابع الأقدام نافرة. سألني جمال مبتسما حين رآني مشدوهة بعد أن زال خوفي:
= ما هذا يا "نورا" ألم تعرفيني؟ إلى هذا الحد تنسين ابن عمتك؟ ودون انتظار الرد، أشار إلى صاحبه:
= أقدم لك الأستاذ محمود حامد الشعراوي، ثم لف رأسه جهة مرافقه، وأكمل التقديم:
= وهذه "نورا" بنت خالي وابنة السيدة التي حدثتك عنها.
كان يبدو عليه الاستعجال. دون أن. يفلت ذراعي من كفه، قال:
= لو سمحت، أرجوك انتظريني قليلا ريثما أصلي العشاء.. لدي الكثير مما أود أن أقوله لك أنت بالذات. لا تخافي، سوف أرافقك في عودتك إن كنت ذاهبة للبيت. لن أتأخر عنك طويلا.
وقفت منفذة طلبه وأنا أستغرب في داخلي مستوى التحول.. عهدي به رياضيا وسيما، فكيف يطلق لحيته هكذا بين يوم وليلة؟ كيف يرمي "تي شورتات" التي تبرز عضلاته وتقدم شبابه ومظهره بهجة للناظرين؟ اين اختفى الشاب اللطيف المبتسم دائما. ذلك النشيط المعروف بخفة دمه، ومعشره وميله للهزل والضحك؟ من أين هبت عليه مسحة الرزانة المبالغ فيها حتى أضافت لعمره سنوات لم يعشها؟ صارت صورته كئيبة حزينة تحمل هموم العالم.. صحيح ما حكته عمتي عن تحولاته الغريبة. لم أتوقع أن يكون جمال الذي أحمل عنه ذكريات طيبة قد انمحى تماما وحل مكانه شخص أكاد لا أعرفه. وهذا الأستاذ الذي يرافقه، ألا يبدو غريبا عنه؟ اسمه الثلاثي يدل على أنه قادم من الشرق.. يبدو سنه فوق الأربعين. فكيف يعاشر جمال رجلا يكبره بعشرين عاما على أقل تقدير؟ ما الذي كان يعنيه بقوله" ابنة السيدة التي حدثتك عنها"؟ ما دخل والدتي في الموضوع؟ ومنذ متى كان جمال من هواة النميمة؟ ترى ماذا قال له عن أمي؟ لماذا طلب مني انتظاره؟ هل بلغت خطورة الموضوع إلى هذه الدرجة؟ هل من الضروري أن أنتظر أم يجب علي الانسحاب؟ وبينما أنا أتساءل بداخلي، لمحته قادما صحبة أستاذه القصير المدكوك الذي يدعو منظره للضحك. وقفا بعيدا عني قليلا، فهمت من خلال الحركات والإشارات أنه يودعه. يبدو أن الأستاذ يعتذر بلباقة ليتيح لجمال مرافقتي وحده.
عبر الطريق في اتجاهي. بدلا من إلقاء التحية باحترام كعادته، باغتني بسؤال مباشرة دون مقدمات:
= ماذا كنت تفعلين هنا وحدك في هذا الوقت؟ نظرت إليه مستغربة قبل أن أرد:
= وعليكم السلام ورحمة **** تعالى وبركاته.
ابتسم محرجا، نظر في عيني
= سألتك من باب الحرص والخوف عليك فقط.. أنت عائدة إلى البيت بدون شك؟
= بالطبع.. وأين تريد مني أن اتجه؟ ليس لدي أصدقاء هنا ولا أحباب.
= وأنا؟ ألست من ضمن الأحباب؟ أم تراك تحرمين لقائي مثل أبيك؟
= لا داعي للحديث عن أبي من فضلك. كل ما في الأمر أني لا أعلم بالضبط أين تقيم، كما أني سمعت من عمتي أنك صرت تحب الوحدة والانعزال بعيدا حتى عن والدتك.
= فعلا، ولكن ليس معك أنت...
= أمرك عجيب حقا. هل نسيت الرسالة التي بعثتها لي مع هديتك الغريبة؟ لقد فهمت منها أنك تريد قطع العلاقة معي أنا بالتحديد.... لكن كدت أنسى.. هل أنت عازم فعلا على أداء العمرة؟
= نعم. لولا أن أباك، سامحه ****، غير موافق.. الحمد لله أن جدك الحاج عبد الإله سمع بالخبر، فأدى جزاه **** خيرا ثمن تذكرة السفر. أمك أيضا بعثت لي بمبلغ محترم قبل سفرها بيوم واحد.
كنا نسير في شارع محمد الخامس نحو مدخله الغربي.. كانت العتمة تغطي بعض المساحات بسبب المصابيح المعطلة أو لوجود أشجار كثيفة الأغصان.. اقترب مني جمال أكثر حتى لامسني جانبه الأيمن.. سألته:
= ما حقيقة هذا السفر إذا جاز لي أن اسأل؟
= هناك جماعة
من الطلبة لم ي










Sponsored by: 



جنس قصص